محمد باقر الملكي الميانجي
181
مناهج البيان في تفسير القرآن
وإطاعة أولي الأمر الّذين هم مأذونون من ناحيته - تعالى - في مالكيّة الأمر . وأمّا الجبابرة والفراعنة الذين يتسلّطون على رقاب الناس ويستبدّون بالأمر والنهي ، ونظم الأمور وتشريع القوانين من دون إذن من اللّه - تعالى - فلا يجب إطاعتهم وامتثال أوامرهم ، ولو كان مورد أمرهم حلالا بحسب الواقع ، فضلا عمّا كان ظلما وفسادا ، فإنّ عدلهم فساد في الأرض . وما قلنا من عدم وجوب إطاعتهم وامتثال ما يريدونه إنّما هو بالنسبة إلى الأحكام الأوليّة ، فكون امتثالهم واجبا بالنسبة إلى الاعتبارات الثانويّة لا ينافي ذلك . فلا مناص من جواز التصدّي للأمر بل وجوبه بإذن من اللّه وعطاء منه سبحانه ، وعلى حدّ ما عيّنه - تعالى - سعة وضيقا ، حتّى باب الأطفال والزّوجات ، وحتّى بالنسبة إلى أعضاء نفسه المملوكة له بإذن اللّه - تعالى - فضلا من عامّة الخلق ، فلا بدّ من تطبيق المداخلة في شؤون نفسه على قانون التشريع ، لا الاستبداد والاستقلال في قبال الربّ تبارك وتعالى . وهذا باب الولاية الكلّيّة وشعبها . فقوله تعالى : « مالِكَ الْمُلْكِ » عام يشمل بعمومه هذا القسم من الملك أيضا . والظاهر أنّ المراد منه المعنى والاسم المصدريّ فيشمل الجاه والمال ، والحول والقوّة ، والإمامة والرسالة والنبوّة ، وكلّ ما يكون مملوكا للّه . والملك في قوله تعالى : « تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ » وقع متعلّقا للإيتاء والإعطاء ، وهو أيضا عام بحسب ظاهر الآية ، إلّا أنّ العقل يستثني منه المالكيّة الخاصّة لمقام الألوهيّة والرّبوبيّة ، فإنّها لا يصحّ ولا يصلح إيتاؤها لغيره ، مثل خلق الخلق وتدبيرهم وأمثال ذلك . وتستثنى منه أيضا مالكيّة الجبابرة واللّصوص ، فإنّ تمكّنهم في الأرض تكوينا ومداخلتهم وتصرّفاتهم في أمر التشريع ونظام الاجتماع ، وإن كانت لا تخرج عن حيطة ملكه تعالى ، وليس هو تعالى منعزلا عنها ، إلّا أنّه يمكن القول بإيتائه - تعالى - إيّاها لهم . فإمها له - تعالى - واستدراجه لهم ، ونقمته على هؤلاء الأراذل والأشقياء ، وإن سمّيناها إيتاء ، إنّما هو بحسب التوسّع في اللّغة لا الإيتاء الحقيقي ، فإنّ هذا ليس من سنخ الإيتاء الّذي أكرم اللّه - تعالى - به أولياءه وأحبّاءه ، وجعلهم خلفاء في الأرض وفوّض إليهم أمور عباده ، يحكمون بحكمه ويسيرون بأمره . وكذلك غيرها من