محمد باقر الملكي الميانجي

134

مناهج البيان في تفسير القرآن

وإشارات يعرفها الراسخون في علوم القرآن . كما وردت كلمة « مُصَدِّقاً » بعبارات متنوّعة ، وعنايات خاصّة في موارد مختلفة ، وقريبا من سبعة عشر موردا . وهذه الناحية من علوم القرآن من النواحي العجيبة ؛ من حيث التعرضّ لذكر أحبّائه تعالى وشؤون حياتهم السعيدة ، وعدم إمكان الاختلاف بينهم ، وفيها تصريح أنّها من جملة الغيوب الّتي كشف عنها القرآن الكريم ، وفيها تنزيه وتقديس لساحة أولياء اللّه المخلصين عمّا نسب إليهم الجاهلون والمتهوّسون ، وفيها دلالة على أنّ القرآن الكريم هو المهيمن على الكتب كلّها ؛ فقد أبطل منها ما غيّرته أيدي الجفاة والطغاة . فتوصيف القرآن : بأنّه مصدّق لما بين يديه من الرسل والصحف من النعوت الجليلة للقرآن . والمراد من قوله : « بَيْنَ يَدَيْهِ » ما تقدّم عليه من لدن آدم إلى عصر النزول ، لا ما كان دائرا في عصر النزول . إذ لا وجه لاختصاص التصديق بما كان دائرا بين علماء الكتابيين . فانّ النظر في كون القرآن مصدّقا لما بين يديه ، هو النظر إلى تصديق الوحي النازل على الأنبياء لا ما نسب إلى الأنبياء ، ولا ما افتري عليهم . والقرآن في عين أنّه يصدّق الوحي النازل على الأنبياء الماضين ، كذلك يراقبه ويحفظه من تحريف المبطلين وتغيير المبدعين . فالقرآن المجيد له مقام المهيمنيّة والمرجعيّة والحافظيّة لجميع الكتب السماويّة ، فهذا هو الطريق الوحيد للمسلمين وغيرهم بعلوم الأنبياء السابقين . فما في الكتب الموجودة في عصر النزول ، وفي عصرنا هذا من العلوم والمعارف ممّا لا يصدّقه القرآن أو يكذّبه ، فهو افتراء على الأنبياء الكرام . فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ متعلّق التصديق هو عين الوحي النازل على الأنبياء ، لا الكتب الموجودة في عصر النزول . قال في المنار 3 / 155 : « مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ » أي مبيّنا صدق ما تقدّمه من الكتب المنزّلة على الأنبياء ، أي كونها وحيا من اللّه - تعالى - وذلك أنّه أثبت الوحي ، وذكر أنّه - تعالى - أرسل رسلا أوحى إليهم ، فهذا تصديق إجماليّ لأصل الوحي ، لا يتضمّن تصديق ما عند الأمم ، الّتي تنتمي إلى أولئك الأنبياء من الكتب