محمد باقر الملكي الميانجي

122

مناهج البيان في تفسير القرآن

على النفس من غير اختيار من الإنسان فلا إشكال في عدم المؤاخذة عليها ، فإنّ الخبيث يؤذي الإنسان بالنفخة والهمز واللّمز . إلا المؤمن فاللّه - تعالى - يؤيّده بروح منه ، وبإبطال ما يلقي الشيطان من تلك الوساوس والهواجس . فالآية الشريفة ليست شاملة بهذا النحو من الخطورات ، إذ العناية في الآية هو استقرارها في النفس وإضمارها فيها ، وليست هذه الخطورات مستقرّة فيها ، نعم الخطورات الّتي ترد على النفس من غير اختيار ، وكانت مسبوقة بأمور اختياريّة ، فلا بدّ من التخلّص منها بترك مقدماتها . فالتحذير والتهديد منه - تعالى - على ما أبطنه الإنسان وأضمره في السرائر والضمائر سواء أظهرها أو أخفاها . وليس سياق الآية ، والغرض المسوقة له الآية بيان أنّ تلك المضمرات منشأ لأعمال الجوارح ، ولا بيان أنّ إبداءها وإبرازها يكون بواسطة أعمال الجوارح ، وأنّ أعمال الجوارح دالّة عليها ، بل الآية سيقت لبيان أخذه - تعالى - على ما تخفي الصدور وتكنّ القلوب ، سواء أكانت خافية أم ظاهرة . والقلب أوسع ساحة وأفسح مكانا للطاعات والمعاصي ، فطاعات القلب ومعاصيه أمور مستقلّة في قبال أعمال الجوارح الظاهريّة ، سواء ألوحظت أنّها منشأ للأمور الخارجيّة أم لا ، مثل الإيمان والانقياد ، والولاية والبراءة ، والكفر والنفاق ، وإضمار السوء للّه ولأوليائه ، وإضمار الفسوق والمعاصي ، والاستكبار في قبال الحقّ وأهله واحتقاره . ولا يخفى على أولي الألباب أنّ بعض هذه الأفعال عزائم وفرائض مطلوبة بذاتها لا باعتبار أنّها منشأ للآثار الخارجيّة ، وبعضها محرّمات كذلك . فتحصّل أنّ الأعمال القلبيّة لا بدّ من أن تكون محكومة بالأحكام الخمسة مثل أعمال الجوارح ، مع ما في الأفعال القلبيّة من الأهميّة بنسبة أهميّة القلب والروح إلى البدن قال تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » . [ النور ( 24 ) / 19 ] و « زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ