محمد باقر الملكي الميانجي

104

مناهج البيان في تفسير القرآن

بالوحدة الحقيقيّة ، وعود الأشياء كلّها إليه ، وفناء الكلّ عن هويّاتهم الجزئيّة حتّى الأفلاك والأملاك والأرواح والنفوس . . . فليتأمّل في الأصول الّتي سبق ذكرها من توجه كلّ سافل إلى عال ، ورجوع كلّ شيء إلى أصله ، وعود كلّ صورة حقيقتها ، ومن إثبات الحركات الجوهريّة الطبيعيّة والنفسانيّة إلى غاياتها ، ورجوع المعلولات إلى علّاتها ، واتّصال النفوس السماويّة بنهاياتها العقلّية ، ومن تنوّر قلبه بنور اليقين ليشاهد تبدّل أجزاء العالم وأعيانها وطبائعها ونفوسها في كلّ لحظة ، فالكلّ متبدّلة وتعيّناتها زائلة ؛ فما من موجود إلّا ويقع له الرجوع إلى اللّه ولو بعد أدوار وأحقاب كثيرة إما بموت أو فناء أو استحالة أو انقلاب أو صعق كما للأرواح ، فكلّ حركة وتبدّل لا بدّ له من غاية ينتهي إليها وقتا ، ولغايته أيضا غاية حتّى ينتهي إلى غاية لا غاية لها ، ويجتمع فيها الغايات ، فلها يوم واحد إلهيّ بل لحظة واحدة أو أقرب منها حاوية لجميع الأوقات والأزمنة والآفات الّتي تقع فيها النهايات كما أنّ جميع البدايات ابتدأت من بداية واحدة ومبدأ واحد يتشعّب منه كلّ مبدأ وينبجس منه كلّ مؤثّر وأثر . . . وقد تحقّق بالبرهان ، وانكشف بلوامع آيات القرآن ، وبطلوع شمس العرفان من أفق البيان أنّ أعيان العالم متبدّلة دائما ، وهويّاتها وتشخّصاتها متزايلة ، وطبائعها متجدّدة كلّ آن كما قال تعالى : « بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ » [ ق ( 50 ) / 15 ] وقوله تعالى : « وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ » . [ النمل ( 27 ) / 88 ] وهو سبحانه غاية هذه الحركات والتبدّلات . أقول : قد حكم اللّه سبحانه برجوع أرواح الخلائق لأبدانهم بعد موتهم ، ويجدّدهم بعد فنائهم واندراسهم . والمراد من الرجوع إلى اللّه - تعالى - هو الرجوع إليه سبحانه بأمره التكويني وهو المرجع والمصير تشريعا وتكوينا في الدنيا والآخرة ، فعنت الوجوه للحيّ القيّوم ، فلا حكم إلّا حكمه ولا أمر إلّا أمره ، وقد ذلّت الجبابرة واستكانت الفراعنة فلا يستطيعون ولا يتمكّنون من الارتياب ، ولا قدرة لهم على قتل أولياء اللّه والاستهزاء بآياته ونواميسه ، وقد اتّفقت كلمة أرباب الشرائع على المعاد الجسماني ونصوص الكتاب وقطعيّات محكماته بهذه الحقيقة فلا يبقى للارتياب في ذلك مجال . وقد تعرّض القرآن بشبه الجاحدين واستبعاد