محمد باقر الملكي الميانجي

67

مناهج البيان في تفسير القرآن

وإثباته بها ليس إلّا التذكير والتنبيه على ما يعرف الإنسان بالفطرة وقد نسيه وغفل عنه بعوامل تضادّه وتزاحمه من تربية الآباء والأمّهات ، والأباطيل والأضاليل الدائرة في المجتمع ، وتغلّب الفراعنة والجبابرة والمستكبرين الّذين لا يزالون يتلاعبون بالحقائق الثابتة . قوله تعالى : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً » . بيان : اتّخاذ الآلهة من دون اللّه إمّا أن يكون بقصر الألوهيّة بما سوى اللّه سبحانه أو بالتسوية بينهم وبين ربّ العالمين . وعلى كلا التقديرين إمّا أن يكون الآلهة ندّا له سبحانه في العبادة أو ندّا له في الطاعة يحلّلون لأوليائهم حلالا ويحرّمون لهم حراما فأطاعوهم . والظاهر أنّ الآية الكريمة بقرينة ذيلها : « يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ » تنفي طاعتهم للّه وتثبتها للأنداد والأمثال . سبحانه وتعالى عمّا يقول المشركون . قال في الميزان 1 / 412 : ولم يقل من يتّخذ للّه أندادا كما عبّر بذلك في سائر الموارد كقوله تعالى : « فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً » . [ البقرة ( 2 ) / 22 ] وقوله تعالى : « وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً » . [ إبراهيم ( 14 ) / 30 ] وغير ذلك ، لأنّ المقام مسبوق بالحصر في قوله : « وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » الآية . فكأنّ من اتّخذ للّه أندادا قد نقض الحصر من غير مجوّز ، واتّخذ من يعلم أنّه ليس بإله إلها اتّباعا للهوى ، وتهوينا لحكم عقله ، ولذلك نكّره تحقيرا لشأنه فقال : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً » . أقول : فيه إنّ الآية الكريمة مستقلّة برأسها ولا يحتاج في إفادة التوحيد إلى قرينيّة قوله تعالى : « وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ . . . » بل الآية الكريمة تذكرة وإرشاد بضرورة العقل على وجوب التوحيد والاجتناب عن الشرك . وكثير من المفسّرين فسّروا الندّ في الآية بالعموم وقالوا : إنّ الندّ عبارة عن الأصنام وعن رؤساء الضلال ، وأئمّة الكفر الّذين اتّخذوا عباد اللّه خولا ، ومال اللّه بينهم دولا . والمبتدعون في الدين الذين يحكمون ويفتون في الدّين بغير ما أنزل اللّه وينصبون نبيّا ووليّا من غير إذن اللّه . وأولياؤهم يتّبعونهم فيما اخترعوا من الشرائع