محمد باقر الملكي الميانجي

32

مناهج البيان في تفسير القرآن

شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ » . قد عاد الكلام منه تعالى بعد تشريع القبلة ونسخ قبلة بيت المقدس لتقريع المخاصمين وتوبيخهم . ومفاد الآيات ولحنها يحكي ويشهد أنّ اللّجاج والخصام والعصبيّة قد بلغ غايته وعمل عمله النكير فأصبحت الحاجة ماسّة إلى التشديد في امتثال الأمر والتّسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله والتأييد له ، وتثبيت المؤمنين وتأييد قلوبهم ، والتعرّض لشأنهم والاحتجاج عليه ، وبيان إصرارهم على دفع الحق بالباطل ، وجحودهم الحقّ مع عرفانهم وإيقانهم به . فليست الإعادة للتكرار والتأكيد . وقوله تعالى : « وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ » أي : إنّك وأولياءك لعلى حقّ مبين وأمّا أعداؤك الّذين يريدون إطفاء نورك فسيكفيكهم اللّه ويظهرك عليهم ويقطع دابرهم ، واللّه تعالى يعلم ما تعملون . وقوله تعالى : « وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ » أمر من اللّه تعالى للمؤمنين بالامتثال وتحذير عن الوهن والفشل . وعلّله بقوله : « لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ » أي اضطرابكم في الأمر وتزلزلكم في المقام يوجب تقوية شبهة المبطلين . قوله تعالى : « فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي » . أي : إنّ اللّه سبحانه أولى بأن تخشوه ، لعموم قدرته وسلطانه وشدّة بأسه على أعدائه المخاصمين له . فإنّهم لن يضرّوكم أصلا إلّا بإذن من اللّه تعالى فلا تعصوه تعالى بمخالفة أمره وإطاعة أعدائه . قوله تعالى : « وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » . ( 150 ) اختلفوا في مصداق هذه النعمة الّتي يريد اللّه تعالى إتمامها وإكمالها جزاء لا متثالهم . ولعلّها انتشار الدّعوة ، وغلبة الحجّة ، وتبكيت العدوّ ، واهتداء الناس إلى روح الشريعة ، والانتفاع بها ، والاستضاءة بأنوارها . قوله تعالى : « كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ