محمد باقر الملكي الميانجي

57

مناهج البيان في تفسير القرآن

لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » . [ الإسراء ( 17 ) / 88 ] لا يخفى أنّ ههنا مقامين : مقام العجز عن الإتيان بمثل القرآن ومقام العرفان والعلم بأنّ القرآن حقّ لا ريب فيه وأنّه بيّنات وبصائر ، وشفاء ورحمة ، وبرهان من اللّه ونور مبين . فلا يجوز الخلط بين المقامين ، إذ مقام العرفان به يختصّ بمن تشرّف بتربيته وهدايته ، واستنار بأنواره . قال تعالى : « وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ » . [ سبأ ( 34 ) / 6 ] فلا بدّ من المعرفة بالقرآن لمن أراد معرفته ، أن لا يكابر عقله وأن لا يعاند فطرته وأن يهتدي بهدى الفطرة الضروريّة وأن يجتنب عن المنكرات الضروريّة والفطريّة ، فمن خالف عقله ولم يهتد بما أودعه اللّه في وجوده من الهدى فهو من الصمّ البكم الّذين لا يعقلون ، فليس من عجز عن الإتيان بمثل القرآن عارفا وعالما بأنواره وتجلّياته . ومن يدّعي التحدّي والتعجيز على نحو خارق للعادة وناقض للطبيعة فلا بدّ من تعميم دعواه وتحدّيه ، إذ هو ليس في مقام تحدّي الأشخاص ، بل هو في مقام تحدّي المجتمع البشري والمبارزة والمغالبة بينه وبين المجتمع لا الأفراد والأشخاص . فلو غلب القرآن فردا من الأفراد أو عدّة منه ولم يغلب الكل فليس بغالب . بداهة ان عجز المجتمع بمجموعه ، دليل قطعي على عجز كلّ فرد وفرد ، فملاك الأمر هو عجزهم وخذلانهم سواء علموا أنّه من عند اللّه وأنّه نور وهدى للعالمين أم لا . فالدهريّة والمعطّلة الّذين ينكرون الصانع والتوحيد والعقل والعلم أشدّ عجزا عن الإتيان بمثل هذه المعارف الإلهيّة والحقائق النوريّة من المبدأ والتوحيد وأسماء اللّه تعالى وصفاته وكمالاته ونعوته ، والعوالم الأخرويّة السرمديّة من الجنّة والنار وسكّانهما وما يرجع إليه عاقبة أمر المؤمنين والملحدين . ودونهم في العجز والخذلان أهل الكتاب وغيرهم من الأمم الّذين ألحدوا في طريق عرفانه تعالى بعد نداء القرآن بهذه المعارف العالية وبعد استشراق أهل العالم بهذا النور المبين . وأمّا الأمّة الإسلاميّة فمن كان له إطّلاع على تاريخ أعاظم الرّجال من هذه الأمة فيعلم أنّهم قد بلغوا في المجد والكمال مرتبة كريمة في ظلّ تربية القرآن . وسلكوا