محمد باقر الملكي الميانجي

52

مناهج البيان في تفسير القرآن

وإيقاظ الفطرة ، وإيثار دفائن العقول ، وتحريك العواطف الروحانيّة ، والأخذ بمجامع القلوب بأنوار التوحيد ، والتذكّر بمقام الربّ ، والتوجّه إلى وجوب الاتّقاء ، والخضوع لجنابه ، والعكوف في حضرته ، والإخبات والقنوت بين يديه ، ومدارج الزهد ومراتب الإخلاص ، والتوكّل والرجاء ، والصبر والصّدق ، والوفاء والإيمان واليقين ، وبالجملة جميع أصول الأخلاق ولطائف المعارف ورسوم العبوديّة ، كلّ ذلك في مرتبة مخاطبة الكلّ ممّا يمكن نيله للبشر ، فبيان الرّسول صلّى اللّه عليه وآله والأئمّة الأبرار عليهم السّلام في هذا الباب للتذكّر والإرشاد . ومقام التعليم أعلى وأجل من أن تبلغه عقول الرّجال وفي غاية البعد عن سطح أفكارهم . ومن أظهر مصاديق هذا الباب تفاصيل الأحكام المودعة عند الرّسول صلّى اللّه عليه وآله والأئمّة من أهل بيته عليهم السّلام يخرجونه إلى الناس تدريجا وكذلك غير الأحكام من المعارف العالية مثل حقيقة العرش والكرسي واللّوح ، والكتاب المبين ، والأرواح والبرزخ ، ومصير العباد ومعادهم . فتحصّل أنّ مقام التعليم والهداية والدّلالة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأهل بيته عليهم السّلام غير مقام التذكير والإرشاد . فإن الثاني في مقام مخاطبة الكلّ وفي العلوم الّتي تنالها العقول والأفهام على اختلاف مراتبهم . وأمّا المقام الأوّل فأكثر موارده لا يزيد على التعبّد شيئا فلا يكون المتعلّم واجدا له لكون أكثر موارده تحت حجب الغيوب مثل الأحكام ومنازل الآخرة . وممّا ذكرنا يظهر ضعف ما في الميزان 3 / 87 ، حيث قال : ومن هنا يظهر أنّ شأن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في هذا المقام هو التعليم فحسب . والتعليم إنّما هو هداية المعلّم الخبير ذهن المتعلّم وإرشاده إلى ما يصعب عليه العلم به والحصول عليه ، لا ما يمتنع فهمه من غير تعليم . . . فالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله إنّما يعلّم النّاس ويبيّن لهم ما يدل عليه القرآن بنفسه ويبيّنه اللّه سبحانه بكلامه ، ويمكن للناس الحصول عليه بالآخرة ، لا أنّه صلّى اللّه عليه وآله يبيّن لهم معاني لا طريق إلى فهمه من كلام اللّه تعالى فإنّ ذلك لا ينطبق البتّة على مثل قوله تعالى : « كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ » . [ فصّلت ( 41 ) / 3 ] وقوله تعالى : « وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ » . [ النحل ( 16 ) / 103 ]