محمد باقر الملكي الميانجي

32

مناهج البيان في تفسير القرآن

بالكليّة . ومن ذلك الباب ، باب الرّزق والشفاء والعافية . فلو كان واحد من تلك الأسباب أو شرائطها تحت الاختيار فلا محالة يكون متعلّقا للتكليف ، فيجب أو يستحبّ على المكلّف تنظيم الأسباب المقدورة لكسب الرزق مثلا . إذا تقرّر ذلك فنقول : لا فرق في المقام بين كون « الواو » للعطف أو للاستئناف ، فإن كان للعطف فيكون المعنى : إنّ اللّه تعالى والراسخين في العلم يعلمون تأويل الكتاب لا عامّة المخاطبين . وإن كان « الواو » للاستئناف يكون المعنى : إنّ اللّه تعالى يعلم تأويل الكتاب وأمّا غيره تعالى فلا بدّ في إثبات علم التأويل لهم من دليل منفصل وهذا ليس إلّا في الراسخين فقط كما سيجيء - إن شاء اللّه تعالى . فتحصّل أن العلم بتأويل الكتاب خارج عن حدود التعاليم العادية الأوّليّة لكلّ أحد وليس كلّ النّاس مسؤولا في مقابل التأويل كما أنّ عامّة الناس وعامّة الجنّ مسؤولون في مقابل القرآن من حيث الإيمان والاتّقاء بالنسبة إليه سبحانه وبما عرفوا وعلموا من دعوته وندائه العام إلى شرق العالم وغربه . فهذه الآية الكريمة نصّ في أنّ التأويل لم يكلّف به كل أحد مباشرة . وهكذا صريح في أنّ التأويل لا يطلق على مداليل المحكمات والظواهر والنصوص إلّا بضرب من العناية والتجوّز . ولا يهمّنا ولا يلزمنا البحث أنّ علم الرسول صلّى اللّه عليه وآله الّذي هو أفضل الرّاسخين في العلم بالتأويل من مجرى هذه الكلمات والحروف أوله طريق وسند آخر غير الألفاظ والحروف . وبديهيّ أنّ الكلمات والألفاظ ليست طريقا متعارفا للتأويل إذ لو كان كذلك لكان يناله الكلّ ولما كان للاستثناء وجه ، فتعيّن أنّ الراسخين من أهل بيته صلّى اللّه عليه وآله أخذوه عن النّبي صلّى اللّه عليه وآله ولا يمكن هذا الرسوخ لهم من عند أنفسهم . فإن قيل : إنّ الراسخين الّذين قرّبهم اللّه تعالى بنفسه في العلم بالتأويل فأيّ مانع أن نقول : إنّهم يعلمون تأويل الكتاب أو المتشابه بالتّدبّر والتفكّر كما أنّهم يعلمون تنزيل الكتاب كذلك . قلت : قام الدّليل على حجّيّة الكلام لمدلوله سواء كان نصّا أو ظاهرا ، أفاد اليقين أو الاطمئنان فصار حجّة وسندا بين اللّه وبين عباده في العمل بالكتاب وأمّا الوصول إلى تأويل الكتاب فلا دليل على التديّن به بالحجج العقلائيّة من ظواهر