عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
86
معارج التفكر ودقائق التدبر
البيان ( 4 ) : وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ : أي : في كلّ ، أعيد الضمير على لفظ [ كلّ ] بالإفراد والتذكير ، لأنّ حكم لفظها الإفراد والتذكير ، كما يقول النّحاة . أي : ومن آيات اللّه في البحرين : العذب الفرات ، والملح الأجاج ، ومن نعمه على الناس ، تسخيره المياه لإجراء المراكب فيها ، بمقتضى قانون الطّفو ، الذي جعله عزّ وجلّ بين الماء وبين الأشياء القابلة للطّفو عليه ، والجري فيه ، والانتقال عليه بالأحمال والأثقال العظيمة ، إلى بلاد بعيدة ، وأرض لا يبلغ إليها قاصدوها إلّا بشقّ الأنفس . الفلك : مركب البحر ، يطلق على الواحد والاثنين والجمع ، ويذكّر ويؤنّث ، فيقال : هو الفلك ، وهي الفلك . كان الخطاب موجّها للناس بصيغة الجمع ، ولكن تحوّل في هذا البيان إلى خطاب كلّ صالح للخطاب بصورة إفرادية أي : وترى أيها الرّائي أيّا كنت الفلك في كلّ من البحرين مواخر . وقد ترجّح لديّ أنّ مثل هذا التحوّل هو من الخروج عن مقتضى الظاهر ، الذي سمّاه علماء المعاني « الالتفات » وأنّ الالتفات لا يقتصر على التحوّل بين التكلّم والخطاب والغيبة . والغرض من هذا التحوّل من خطاب الجماعة إلى الخطاب الإفرادي ، التّنويع لشدّ الانتباه ، وإشعار المخاطب بالعناية بمخاطبته بصورة إفرادية ، ليوجّه اهتمامه للتفكّر في الموضوع الّذي دعاه البيان للتفكّر فيه . فِيهِ مَواخِرَ : أي : جاريات تشقّ الماء شقّا ، متنقّلة فيه وقاطعة المسافات البعيدات . يقال لغة : مخرت السفينة تمخر مخرا ومخورا ، أي : شقّت الماء جارية فيه .