عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
59
معارج التفكر ودقائق التدبر
حامل مقدارا ما من رسالته من أمّته . وفي القراءةالأخرى : [ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إنّ اللّه عليم بما يصنعون ] . إنّه لمّا كانت رحلة الحياة الدنيا رحلة امتحان ، لكشف أحوال نفوس العباد فيها ، وما تكسبه فيها باختياراتها الحرّة ، لمحاسبتهم يوم الدّين ، وفصل القضاء بينهم على مقادير ما قدّموا من خير أو شرّ ، ثمّ لمجازاتهم بمقتضى عدل اللّه أو فضله ، كان من شأن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ويلحق به كلّ داع إلى سبيل اللّه من أمّته ، أن يسلّموا للّه تدبيراته في مجاري حكمته ، فلا يحزنوا من أجل الّذين يختارون لنفوسهم اتّباع سبل الضلالات الشيطانية ، فالحزن من أجّلهم يخالف مقتضيات حكمة اللّه ، إذ قضى وقدّر أن يمتحن عباده ، فيكشف بالامتحان أحوال نفوسهم ، وما تختار باختيارها الحرّ من خير أو شرّ ، ثم ليحاسبهم ، ويفصل القضاء بينهم ، وليجازيهم بعد ذلك على ما كان منهم باختياراتهم الحرّة ، التي لم يجّبروا فيها على اختيار أيّ شيء بالقهر ، ولم يجبروا فيها على سلوك أيّ شيء بالقهر . إذن : فمن أراد شيئا باختياره الحرّ ، فعليه أن يتحمّل هو وحده نتيجة اختياره . فجاء هذا الخطاب البيانيّ التوجيهيّ كاشفا لهذه الحقيقة ، ومعلما بها ، ومربّيا حملة الرّسالة الرّبّانيّة على ما ينبغي أن يلتزموا به . النفس : قد تطلق في اللّغة ويراد بها الرّوح ، وجاء إطلاق النفس في القرآن على ما يجمع طبعة خصائص الإنسان ، في كلّ فرد من أفراد الناس ، وهي الّتي تذوق الموت بمفارقة الرّوح لها . والمعنى الّذي يفهم من هذه القضيّة : فيا حامل الرّسالة الرّبّانيّة ! لا تجعل نفسك تذهب من جسدك بالموت ، بسبب توالي الحسرات فيها ، وشدّة الأحزان فيها ، من أجل الّذين اختاروا لأنفسهم الكفر بما أوجب