عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
38
معارج التفكر ودقائق التدبر
لفظ نِعْمَتَ اسم جنس في الآية ، وبإضافته إلى اللَّهِ شمل كلّ نعمه على عباده استغراقا ، فصارت العبارة بقوّة : اذكروا نعم اللّه عليكم . إنّ نعم اللّه جليلة وكثيرة جدّا ، لا يستطيع العباد إحصاء أفرادها ، كما قال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( النحل / 16 مصحف / 70 نزول ) خطابا للناس : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ . ( 18 ) إنّ نعم اللّه على عباده الّتي تفيض بها مقاديره ، تشمل أعمال الخلق المتتابعة ، التي يجعلهم بها باقين في الوجود ، ولا يشاركه فيها أحد ، وتشمل ما يرزقهم من السّماء والأرض ، فالرزق الآتي من جهة السّماء ، نلاحظ منه الأمطار الّتي تنزل من السّحب على الأرض ، فيحيي اللّه بها الأرض بالنّبات بعد موت نباتاتها الّتي كانت عليها في دورات إنبات سابق ، ونلاحظ منه أشعّة الشّمس الّتي تصبّ على الأرض ما دامت مشرقة عليها ، فتمدّها بأسباب الحياة لكلّ ذي حياة نباتيّة وحيوانيّة . وتتدخّل حرارة أشعّة الشّمس في عمليات تبخّر المياه الموجودة على سطح الأرض إلى الجوّ ، فإذا تجمّعت المتبخّرات صارت سحبا ، وهي قطرات ماء متمدّدات ، ثم يسوقها اللّه ويزّجيها بعلمه وحكمته وقدرته ، ويرحم بها من يشاء من عباده ، فينزلها عليهم مطرا نافعا ، للشّرب والإنبات وغير ذلك من منافع للأحياء . فنعم اللّه تشمل فيما تشمل أعمال الخلق وعطاءات الرزق ، وهذان الصنفان يصيب منهما الناس جميعا ، المؤمنون منهم والكافرون . وبما أنّه لا خالق إلّا اللّه ، ولا رازق في الوجود إلّا اللّه ، كان من الحكمة الإقناعيّة والتربويّة ، أن يوجّه اللّه عزّ وجلّ للنّاس سؤالا استفهاميّا ، لانتزاع إقرارهم بهذه الحقيقة ، فقال تعالى في هذه الآية :