عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

33

معارج التفكر ودقائق التدبر

له ، نظرا إلى أنّ سورة ( فاطر ) تسير على فروع شجرة موضوع سورة ( الفرقان ) كما أسلفت في بيان موضوع السورة ودروسها . وفي هذا الدرس الثاني أبان اللّه عزّ وجلّ أنّ عطاءاته ، الّتي هي من رحمته الشاملة لعطاء النبوّة وعطاء الرّسالة لمن يصطفيهم ، ولعطاءات أنواع النّعم المادّيّة لعباده ، مع التفاضل فيما بينهم فيها ، في الخلق ، وفي الرزق ، وفي غير ذلك ، أمور خاضعة لمشيئته الحكيمة ، جلّ جلاله وعظم سلطانه . فمن قضى اللّه له بعطاء شيء من ذلك فإنّه لا أحد في الوجود يستطيع أن يمسكه عنه ، ومن قضى اللّه بمنعه فإنّه لا أحد في الوجود يستطيع أن يعطيه ما منعه اللّه إيّاه . إنّه لا مانع لما يعطي ، ولا معطي لما يمنع . ومن وجد نفسه محروما من بعض العطاءات الرّبّانيّة ، كعطاء النبوة أو الرّسالة ، فلينظر إلى أنواع وأفراد النّعم الكثيرة والجليلة في الخلق والرّزق وغير ذلك مما أنعم اللّه به عليه ، ولينظر كيف فضّله اللّه بعطاءاته على كثير ممّن خلق تفضيلا عظيما ، وليذكر هذه النّعم دواما ، فمن شأن هذا التذكّر أن يدفعه إلى أن يحمد ربّه على ما أولاه من نعم ، إذا كان ما زال على فطرته السليمة التي فطره اللّه عليها ، ومن شأن هذا التذكّر أن يدفعه أيضا إلى أن يعمل بما يتطلّبه منه إذ هو جلّ جلاله ربّه الخالق ، وهو ربّه الرازق ، الممدّ له بعطاءات ربوبيّته دواما ، دون أن يعترض عليه في شيء من عطائه ومنعه ، ودون أن يتطاول إلى ما ليس هو له بأهل ، كطلب النّبوّة أو الرسالة ، أو نحو ذلك ، فاللّه أعلم بعباده ، وأعلم حيث يجعل رسالته ، ألا يعلم من خلق وهو اللّطيف الخبير .