عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
26
معارج التفكر ودقائق التدبر
ويحصل التوسيع في المخلوقات مع التقيّد بنظام الفطر ، سواء أكانت هذه الأبعاد حول ظاهر الشيء فراغا مطلقا ، أم كانت مملوءة بعض امتلاء بأشياء سبق إيجادها . وللإشارة إلى أنّ عمليّات الخلق الرّبّانية تجري وفق نظام الفطر من عمق الباطن ، الّذي يتّضح عنده تصوّر العدم المطلق ، ولا سيما عند بدء إيجاد الأكوان ، جاء في القرآن المجيد وصف اللّه عزّ وجلّ بأنّه فاطر السّماوات والأرض في عدّة نصوص ، وبأنّه فطر السّماوات والأرض ، وبأنّه فطر الناس . ومثل كلمة « الفطر » ومشتقّاتها التي هي بمعنى « الشّقّ » كلمة : « الفلق » ومشتقاتها ، وقد جاء في القرآن بيان أنّ اللّه عزّ وجلّ فالق الحبّ والنّوى ، أي : خالق النّباتات والأشجار على وفق نظام الفلق ، وهو الشّقّ ، ويكون الإخراج والإنماء من الباطن إلى الظاهر . وجاء فيه بأنّه تبارك وتعالى فالق الإصباح ، أي : مخرجه ضمن نظام الفلق ، وبأنّه ربّ الفلق ، وهو الصّبح . سمّي الصّبح فلقا ، لأنّه يشقّ ظلمات اللّيل ، وينبثق نوره من داخلها . ومن معنى ابتداء الخلق وفق نظام الشّقّ من عمق باطن الشيء المراد خلقه ، اشتقّت كلمة : « الفطرة » أي : الخلقة التي فطر المخلوق وهو عليها تقديرا وقضاء وتنفيذا ، منذ بدء إيجاده من عمق نواته الأولى ، المشتملة على خريطة تكوينه الّذي يتمّ إنماؤه على وفقها . وعلى هذا نفهم قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الرّوم / 30 مصحف / 84 نزول ) : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 30 ) . فالناس منذ بدء نشأتهم الأولى مفطورون على أن يكون دين اللّه