عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
24
معارج التفكر ودقائق التدبر
وقد حمل الفطر معنى الخلق على نظام ابتداء الشيء من عمق باطنه ، والاتّساع به إلى الأبعاد الّتي تكون في ظاهره ، فالنواة الصّغرى تنشق وتنمو وتتكاثر حتّى تكون شجرة عظيمة ، والبييضة بعد تلقيحها بالحوين الّذي يأتي إليها من الذّكر تنفطر منشقّة ومنشطرة ، وتنمو وتتكاثر وفق الخريطة المسجّلة في عمق نواتها ، حتّى تكون حيوانا كبيرا مطابقا لبرنامج خريطته المسجّلة في نواته الأولى المودعة في عمق بييضته بعد أن اتّحدت مع نواة الحوين الذي اقترن بها قادما من الملقّح الذّكر ، إذ تتكامل بهما خريطة إيجاده . وقد كان اللّه عزّ وجلّ ولا شيء معه ، وفطر السّماوات والأرض ، أي : خلقهما وفق نظام الفطر ابتداء من العدم . والعدم يتّضح تصوّره من مركز عمق كلّ شيء ، إذ يتفجّر منه الموجود متناميا بإيجاد الخالق البارئ المصوّر له . وقد اختار اللّه عزّ وجلّ لأعمال خلقه للأكوان نظام خلق قائم على أمرين : الأمر الأول : نظام الفطر من العمق الّذي يسهل تصوّر العدم عند مركزه ، مع قدرته - جلّ جلاله وعظم سلطانه - على أن يخلق من الظاهر إلى الباطن ، إلّا أنّ الخلق من الباطن إلى الظاهر أدلّ على الخلق من العدم . الأمر الثاني : نظام الإنشاء المتدرّج للأشياء حتّى غاياتها الّتي تتكامل عندها ، وهو نظام التربية ، ولهذا عرّفنا اللّه عزّ وجلّ ، أنّ من صفاته الجليلة العظيمة أنّه ربّ العالمين ، أي : موجد العالمين بربوبيّته وفق نظام الإنشاء المتدرّج ، والإنقاص التنكيسيّ المتدرّج أيضا ، مع قدرته جلّ جلاله على أن يخلق أيّ شيء يريد خلقه دفعة واحدة ، فما ينشئه ويربّيه خلال