عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
97
معارج التفكر ودقائق التدبر
أمّا السّبب في سقوط أكثر العباد في العواقب المشقية لهم ، والّذي يستدعي تحسّر العقلاء الرّحماء من أجلهم ، فهو موقفهم من رسل اللّه إليهم ، إذ يكذّبونهم فيما يبلّغون عن ربّهم ، ويستهزئون بهم ، وبدعوتهم إلى دين اللّه الحق . والعقلاء أولوا الألباب يعلمون أنّ الاستهزاء بدعاة الحقّ ، من وسائل الّذين يعجزون عن مواجهة الفكر بالفكر ، والحجّة بالحجّة ، والبرهان بالبرهان ، فيرون الاستهزاء ، وسيلة من الوسائل الّتي تغطّي عجزهم أمام أنفسهم ، وأمام جماهير أتباعهم ، لكنّهم حين يملكون القوة القتاليّة يقابلون براهين العقل بحدّ السّيف ، وقواتل الحديد والنّار . هذا السّبب أبانه اللّه عزّ وجلّ بقوله بشأن العباد الّذين يتحسّر من أجلهم : . . ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 30 ) . « من » في عبارة : مِنْ رَسُولٍ جيء بها لتأكيد عموم النّفي والتّنصيص عليه ، وتسمّى زائدة لهذا الغرض . الاستهزاء : السّخرية بتوجيه عبارات وأعمال ، فيها احتقار وازدراء وتنقيص وتسفيه لرأي المخالف أو عمله . ونستخلص من هذا البيان في هذه الآية أنّ الموقف الّذي وصل إليه كبراء كفّار أهل مكّة إبّان نزول سورة ( يس ) هو موقف مواجهة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ودعوته بالاستهزاء العلنيّ الصّريح ، إذ لم يجدوا حججا فكرية قادرة على منازلة حججه وبياناته الحقّ في معارك الفكر والبيان ، فلجؤوا إلى وسيلة الضعفاء السّخفاء السّفهاء في منطق الفكر ، وهي وسيلة الهزء والسّخرية ، وتتبعها وسيلة السّباب والشّتائم . أمّا الهزء والسّخرية فيشبههما ضحك القرود ، وأمّا الشتائم فيشبهها عواء الكلاب ، وما أبعدهما عن أدنى مستويات الفكر والإنسانيّة . * * *