عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

95

معارج التفكر ودقائق التدبر

التدبّر التحليلي : قول اللّه تعالى : * يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 30 ) : الحسرة على الشيء : تأتي في اللّغة بمعنى التأسّف ، والحزن ، والتّلهّف ، وقد يرافقّ ذلك النّدم ، وتلويم النّفس على ما كان منها ، ممّا جرّ إلى ما اقتضى الحسرة والنّدم . يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ : نداء للحسرة ، قالوا : وهذا النداء على معنى : إن كان لك وقت يا حسرة ، فهذا أوان حضورك . وذكر المفسّرون تخريجات أخرى ، أرى أنّها بعيدة عن أساليب القرآن الرّفيعة ، منها أنّ المنادى محذوف ، ولفظ « حسرة » منصوب على أنّه مفعول مطلق لفعل محذوف ، والتقدير : يا هؤلاء تحسّروا حسرة . أقول : لم لا يكون نداء للحسرة أن تنزل بمكذّبي الرّسل المستهزئين بهم ، وهو على معنى : يا عقابا عادلا انزل عليهم ، فاشمل قلوبهم ونفوسهم بالحسرة والنّدم ، على ما كان منهم من ظلم وإثم وعناد والتزام بالباطل ، ورفض للحقّ . جاء في العبارة النداء للحسرة ، والمراد ما يسبّبها من العقاب والعذاب . أو لم لا يكون هذا التعبير يا حَسْرَةً من باب النّدبة ، والمعنى أنّ حال هؤلاء العباد المستهزئين برسل ربّهم ، حال من يتوجّع محبّوهم والمشفقون عليهم من الحسرة لأجلهم ، إذ يسعون كادحين إلى عذاب النار خالدين فيها .