عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

65

معارج التفكر ودقائق التدبر

علاجا لمشركي مكّة إبّان تنزيل السّورة ، بأن يقدّم لهم صورة من صور الإقناع الّذي يحمل عصا الإنذار بالعقاب المعجّل ، للذين لم يؤمنوا به نبيّا ورسولا ، ولم يؤمنوا بما جاء به عن ربّه . وهذا التعليم نفسه موجّه من اللّه عزّ وجلّ لهم بأسلوب غير مباشر ، لأنّه أنزل قرآنا يتلى عليهم وعلى الناس أجمعين ، فهو أيضا موجّه لكل نظرائهم في كلّ عصر وفي كلّ قوم ، لأنّ رسالة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم رسالة عامّة للناس أجمعين ، وللجنّ أيضا . وصورة الإقناع هذه تشتمل على ضرب مثل تاريخيّ جرى لقوم أهلكهم اللّه ، لأنّهم كذّبوا رسل ربّهم ، وأنذروهم بالقتل رجما بالحجارة ، وبعذاب أليم إذا لم ينتهوا عن تأدية وظائف رسالة ربهم الّتي أرسلهم بها ، مع الإلماح إلى أنّ أحوال كبراء مشركي مكّة قد أشرفت أن تكون مماثلة لأحوال هؤلاء القوم المهلكين ، فمتى بلغوا إلى مثل ما بلغ إليه أولئك المهلكون أجرى اللّه بهم سنّته فأهلكهم . إنّ هؤلاء المهلكين الّذين ضرب اللّه بهم المثل ، هم أصحاب قريّة وثنيّون ، جاءها مرسلون من غير أهلها ، كانوا اثنين ، فعزّزهم اللّه بثالث ، فدعوا أهل هذه القرية إلى الإيمان الحقّ ، وإلى ترك ما هم فيه من وثنيّة باطلة ، فكذّبوهم في كونهم رسل ربّهم ، فأكّدوا لهم أنّهم صادقون مرسلون حقّا ، وأنّهم ليسوا مطالبين من ربّهم إلّا بالبلاغ المبين الواضح الموضّح لقضايا الإيمان الحقّ ، ولشرائع اللّه وأحكامه لعباده بالحكمة والموعظة الحسنة ، وأنّهم ليسوا مكلّفين أن يلزموا القوم أن يؤمنوا بهم ويتّبعوهم إلزاما وهم كارهون غير راغبين ، فالاستجابة لدعوة الرّسل يجب أن تكون استجابة اختياريّة إراديّة طوعيّة ، لا استجابة جبريّة إكراهيّة على خلاف رغبة المستجيب واختياره الحرّ .