عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

54

معارج التفكر ودقائق التدبر

أمّته ، أنّ الّذي ينتفع بالإنذار ، فيستجيب لإنذارات المنذرين الصّادقين ، بعذاب اللّه يوم الدّين ، واحتمال أن ينزل عذابه المعجّل في الدنيا أيضا ، إذا اقتضت حكمته ذلك ، لا بدّ أن تتوافر لديه صفتان : الصّفة الأولى : اتّباع آيات الذّكر الحكيم ، وهو القرآن المجيد ، بالإصغاء والفهم وحسن التّدبّر ، واتّباع المذكّرات الّتي تبيّن ما فيه ، وتشرحها بمقدار استيعاب المتلقّي وعلى مقدار مداركه . فمن لم تكن لديه هذه الصّفة فإنّه لا يحصل لديه الاقتناع بالحقّ المنزّل من عند اللّه عزّ وجلّ ، ومن شأن من لم يحصل لديه الاقتناع بالحقّ ، أن لا يهتم للقضايا الّتي اشتمل عليها هذا الحقّ ، وأن لا يكترث لها ، وأن لا يستجيب لدعوة الدّعاة إليه ، مهما اجتهدوا في الدّعوة والبيان ، والتذكير في كلّ آن ، وتكون دعوتهم وبياناتهم وتذكيراتهم كمن ينعق في الأنعام ، أو يخاطب صمّ الآذان . الصّفة الثانية : خشية الرّحمن بالغيب ، الخشية : أصل معناها الخوف والحذر ، والخشية من اللّه : مزيج من الإجلال والحبّ والخوف مع الطمع ، لأنّ مراقبة اللّه الّتي تحدث الخشية منه فيها كلّ هذه المعاني . وتوجد في النّاس بنسب مختلفة في مجموعها الكلّي وفي عناصرها . ولا تكون الخشية من اللّه إلّا بعد الإيمان به ، وبعلمه ، وقدرته ، وحكمته ، وفضله ، وعدله ، إلى سائر صفاته ، ومنها أنه عزيز منتقم جبار ، وأنّه رحمن رحيم ، وأنّه يجازي على الكفر به بالخلود في عذاب النار ، وعلى السّيئة بمثلها ، ويجازي على الإيمان الصحيح الصادق بالخلود في جنّات النعيم ، وعلى الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف ، إلى أضعاف كثيرة . واقتصر النّصّ على ذكر اسم اللّه « الرحمن » إطماعا بصفة رحمته ، وإشعارا بأنّ رحمته سبقت غضبه .