عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
52
معارج التفكر ودقائق التدبر
إنّهم بدخولهم هذا السّجن المظلم الخادع باللّذّات ، قد جعلوا أنفسهم ضمن سدود تحجب عنهم رؤية الحقّ ضمن أنظمة اللّه في كونه للنّفوس ، فهم لا يبصرون . إنّ نظام اللّه عزّ وجلّ ضمن قوانينه السّببيّة للنّفوس ، يشبه نظامه ضمن قوانينه السببّية للمدركات الحسيّة ، التي نلاحظ فيها أنّ من أدخل يده في النار بإرادته الحرّة أحرقها اللّه له ضمن قوانينه السببيّة في كونه ، ومن شرب سمّا قاتلا بإرادته الحرّة أو بغير إرادته ، قتله اللّه عزّ وجلّ بسمّه ، ضمن قوانينه السببيّة في كونه . كذلك من اختار بإرادته أن يتّبع أهواءه وشهواته من متاع الدنيا ويستجيب لوساوس الشياطين ، واختار أن تكون بصيرته بعيدة عن أنوار الهداية الرّبّانيّة ، جعل اللّه في عنقه غلّا يصيّره مقمحا ، وجعل بينه وبين أنوار الهداية الرّبّانيّة ، سدّا من بين يديه وسدّا من خلفه ، وكلّ ذلك ضمن قوانينه السّبيّة في كونه تبارك وتعالى . وحين توجد هذه الأغلال ، وتوجد هذه السّدود ، فإنّ الإنذارات والتّحذيرات الّتي توجّه له لا تؤثّر في نفسه أثرا ما ، لأنّه في داخل نفسه محجوب عنها ، مقود كالأسير إلى الجهات المضادّة لما تدعوا إليه ، أو تحذّر منه ، أو تنذر به . فسواء عليه أأنذرته أم لم تنذره فإنّه لن يستجيب . قول اللّه تعالى : وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 10 ) . الهمزة في : أَ أَنْذَرْتَهُمْ هنا هي همزة التسوية كما يقول النحويون . أي : واستوى فوقهم إنذارك لهم بعذاب اللّه المسلّط بقدر اللّه