عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

43

معارج التفكر ودقائق التدبر

قول اللّه عزّ وجلّ : لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 7 ) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ( 8 ) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( 9 ) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 10 ) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ( 11 ) . كلمة : ( سدا ) في الموضعين فيها قراءتان متواتران بفتح السّين وبضمّها ، وهما لغتان عربيتان للكلمة . * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 7 ) : المراد بأكثرهم أكثر قادة وأئمّة مشركي مكّة حينئذ ، وهم الّذين يطيعهم السّواد الأعظم من جمهور القوم ، وهؤلاء القادة والأئمة من الأكابر المجرمين هم الّذين كان الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم حريصا على أن يؤمنوا مستجيبين لدعوته ، لأنّهم إذا آمنوا به واتّبعوه تبعته معهم جماهيرهم ، ودخلت في الإسلام من بعدهم جماهير قبائل العرب أفواجا ، إذ كانت قبائل معظم العرب ترى لقريش سيادة وفضلا ، ولا سيما في أمور الدين . وقد أيأس اللّه عزّ وجلّ رسوله بهذه الآية من إيمان أكثرهم ، لعلمه بما وصلت إليه نفوسهم وقلوبهم من عناد واستكبار وإصرار على الباطل ، وذلك لئلا تبقى مطامع الرّسول متعلّقة بإيمانهم ، بغية إعزاز الإسلام والمسلمين بهم ، والإسراع بانتشار دين الإسلام في الأرض . وليوجّه الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم الطاقات الكبرى من طاقات دعوته إلى آخرين ، لم تستحكم في نفوسهم عقدة العناد والاستكبار والإصرار على الباطل . فالمعنى الذي تدلّ عليه هذه الآية يمكن شرحه بما يلي :