عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

38

معارج التفكر ودقائق التدبر

فدلّ هذا النّصّ على أنّ هؤلاء الكفرة المشركين المترفين من كبراء مكّة ، قد فهموا ما في القرآن من قضايا الإيمان والإنذار بعذاب اللّه يوم الدّين للكافرين ، وأنّ الّذي جاءهم به الرّسول محمّد قد جاء نظيره لآبائهم الأوّلين ، وأنّهم يعلمون ذلك ، وأنّهم يعرفون صدق الرّسول وما يتحلّى به من خلق عظيم ، وما يتّصف به من فطنة فائقة وعقل راجح . كلّ هذه النّصوص تدلّ على أنّ المراد بقول اللّه تعالى : لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ ( 6 ) على الإثبات لا على النفي . وعبارة فَهُمْ غافِلُونَ في الآية تؤيّد الإثبات ، لأنّ الغفلة حالة عند اليقظان تجعله لا يشعر ببعض ما هو في دائرة إدراكه من حوله أو في نفسه ، لانصراف كلّ همّه وتوجّهه لأمور أخرى هو متعلّق بها . فإثبات أنّهم غافلون يدلّ على أنّهم يعلمون ما أنذر به آباؤهم ، إلّا أنّهم غافلون عنه ، بسبب انصراف نفوسهم إلى شهواتهم ، وأهوائهم من الدّنيا ، فهم غير مستعدّين لترك شيء من حظوظ الدّنيا ، استجابة لدعوة الرّسول مهما حذّرهم وأنذرهم ، ومهما كان لديهم من أنباء الرّسل السّابقين في مواريث أخبار آبائهم . فإنذار الرّسول لهم إنذار ينبّههم من غفلتهم ، ولا يعلمهم بما كانوا يجهلونه . والعبارة على تقدير : لتنذر قوما عذاب اللّه الّذي كان آباؤهم قد أنذروه ، فأهملوه وأعرضوا عن تذكّره مع المناسبات الداعيات إلى تذكّره ، فهم غافلون عنه ، لا يكترثون له ، ولا يعبؤون به . ويحمل على هذا ما صحّ من أحاديث الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومنها ما يلي : ( 1 ) ما جاء عند البخاري ومسلم من أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم رأى عمرو بن لحيّ في جهنّم وهو الّذي سيّب السّوائب في الجاهليّة العربيّة .