عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
29
معارج التفكر ودقائق التدبر
وتظهر أيضا للمتدبّرين الباحثين في موضوعاته المنبثّة في ثنايا سوره ، حين يجمعون نصوص كلّ موضوع ، ويتدبّرونها تدبّرا تكامليا ، فيكتشفون باستخراجها ، وجمعها ، وتدبّرها تدبّرا تكامليّا ، عجائب ودلالات تكامليّة ، لم يتوصّل إلى اكتشافها علماء القرون السّابقة ، ويكتشفون أنّه لا تناقض ولا تضادّ بين نصوصه ، على الرّغم من بثّها في مختلف السّور ، وتنزيلها في أزمان متعدّدة في نجوم متفرّقة ، ولو كان من عند غير اللّه لوجد الباحثون المنقّبون فيه اختلافا كثيرا . ويكتشفون التوافق التّامّ بين ما عرضه القرآن من بيانات عن أمور كونيّة ، وبين ما توصّلت إليه حقائق العلوم ، بعد جهود مضنية بذلها علماء البحث الكوني طوال قرون ، في القضايا التي عرض القرآن بيانات عنها . ويكتشفون مطابقة شرائعه وتعليماته وأحكامه ووصاياه للناس ، للفطرة الّتي فطر الرّبّ الخالق النّاس عليها ، ويكتشفون أنّها أحكم وأعدل وأصلح وأنفع من كلّ ما يصنع النّاس لأنفسهم من قوانين وأنظمة مخالفة لما جاء فيه ، ممّا تصوّروا أنّها صالحة نافعة ، يدرك هذا المنصفون منهم . إنّ هذه العناصر الحكميّة الّتي اشتمل عليها القرآن الحكيم ، مع عناصر أخرى لم يكتشفها النّاس بعد فيه ، تحمل بذاتها شهادة على أنّ هذا القرآن المجيد تنزيل من اللّه العزيز الحكيم الرحيم . إذ لو كان من عند غير اللّه لوجد النّاس فيه اختلافا كثيرا بين بعض آياته وبعض ، واختلافا كثيرا بين بياناته وحقائق العلم الإنساني ، وبينها وبين ما هو الأحكم والأعدل والأصلح والأنفع للنّاس من الشّرائع والأحكام وتعليمات السّلوك في الحياة الدّنيا ، وهذا من دلائل كونه معجزة للناس . وبما أنّ القرآن يحمل بذاته الصّفات الّتي تشهد بأنّه كلام اللّه ، وبما أنّه لم يصل إلى الناس إلّا بلاغا عن اللّه جلّ جلاله ، من النبيّ الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنّ إتيانه به حجّة قاطعة وبرهان ساطع ، على أنّه رسول اللّه حقّا وصدقا .