عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

119

معارج التفكر ودقائق التدبر

الآية الكونيّة الثالثة : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ في النّصّ : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ( 39 ) : العرجون : الأعواد الّتي تحمل التّمر ، والعود الواحد منها يطلق عليه لفظ « عرجون » فإذا قدم ضمر واعوجّ ، ولونه أصفر ، فهو بهذه الحالة يشبه الهلال آخر الشهر . وعن ابن عبّاس « أنّ العرجون أصل العذق » وهو الذي تتفرّع أعواد شمراخ التمر عنه : أقول : مقطع أصل العذق الذي يحمل البلح المعلّق بأعواده ، يشبه الهلال آخر الشهر . ولعلّ ما روي عن ابن عبّاس أقرب إلى الواقع ، وقد شبّه اللّه عزّ وجلّ به القمر وهو في آخر الشّهر قبل يوم المحاق . إذ هو يشبه بالنّسبة إلى الناظر إليه في الأرض أصل العذق بعد قطع العذق عنه ويبقى على ساق النّخلة هذا الأصل ، فهو يشبه الهلال آخر الشهر ولا سيما القديم منه ، ويشبه أيضا عودا أصفر معوّجا من الأعواد الّتي ينبت عليها البلح ، وهذا التشبيه يناسب أهل النخيل . ومنازل القمر منازل معروفة لدى علماء الفلك ، وتقدير هذه المنازل من آيات اللّه الجليلة العظيمة في الكون ، وهي ناتجة عن دورة القمر حول الأرض ، مع المحافظة على مواجهته للأرض بوجه واحد . وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ : جاء استعمال ضمير المتكلّم العظيم للدّلالة على عظمة تقدير منازل القمر تقديرا محكما متقنا . والقمر جسم لا ضياء فيه ، إلّا أنّه يعكس نورا ناتجا عن انصباب ضوء الشمس عليه ، فالوجه المواجه للشمس منه في دورته الشهريّة حول