عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

111

معارج التفكر ودقائق التدبر

أنّ النّصّ موجّه بقوّة للتفكّر في المعنى الثاني ، وهو نظام الزّوجيّة في الكون . إنّ نظام الزّوجيّة في الكون يبدو للمتأمّل فيه ، أنّ اللّه عزّ وجلّ اختار أن يجعل أجناس خلقه ، وأنواعهم ، وأصنافهم ، وأفرادهم جميعا خاضعة لنظام الزّوجيّة ، لئلّا يشارك اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - في صفة الأحديّة أحد . إنّ هذا النظام يبدو أنّه مطّرد في الوجود كلّه في كلّ ما خلق اللّه ، أدرك الباحثون منه ما أدركوا ، وغاب عنهم منه ما هو في عالم الغيب بالنّسبة إليهم . إنّه ملاحظ في الناس ، وفي سائر الحيوانات ، وملاحظ في النّبات ، وقد لاحظه علماء طبائع الأشياء الكونيّة في الذّرات ، وفي القوى الكهربائية والمغناطيسيّة ، وفي كلّ ما توصّلوا إلى معرفة طبيعته من شيء في الكون . وقد أعلمنا اللّه عزّ وجلّ بهذا النظام في عدّة نصوص من القرآن المجيد . ( 1 ) ففي سورة ( النجم / 53 مصحف / 23 نزول ) أبان اللّه عزّ وجل أنّه خلق الزّوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى ، فذكر قضيّة ظاهرة مشهودة ، وهي الزّوجيّة القائمة على الذكورة والأنوثة ، وقضيّة خفيّة ، وهي كون الذّكورة والأنوثة كليهما موجودتين في نطفة الذّكر ، الملقّحة لبييضة الأنثى ، وهذه لم يتوصّل إليها علماء البحث الكوني إلّا في عصرنا الحاضر ، فهي ممّا في القرآن من إعجاز علمي ، فقال اللّه جلّ جلاله فيها في معرض بيان صفات الرّبّ تبارك وتعالى : وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 45 ) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ( 46 ) .