عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

89

معارج التفكر ودقائق التدبر

يسألك قومك يا محمّد عن وقت قيام السّاعة ، كأنّك مهتمّ بأن تعلم وقت قيامها ، فتسأل ربّك عنه ، وكأنّك عالم به ، وكأنّك مهتمّ بسؤالهم وراغب في إجابتهم عليه ، مع أنّك أعقل وأكثر بصيرة من أن يشغل قلبك وفكرك مثل هذا الأمر الذي لا فائدة فيه . وهذا من بديع استعمال اللّفظ الواحد في المعاني المتعدّدة ، الّتي يدلّ عليها ، وهو من باب الإيجاز والاقتصاد في العبارة ، مع الدّلالة على معان كثيرة . وجاء تأكيد الجواب في قول اللّه تعالى : قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ بجعل عبارة عِنْدَ اللَّهِ بدل عبارة : عِنْدَ رَبِّي لبيان أنّ ربّه الّذي ربّاه فيما مضى ، ومربّيه دواما هو اللّه خالق كلّ شيء ، وربّ كلّ شيء . ولمّا كان السّؤال عن وقت قيام السّاعة مماحكة باردة ، إذ السؤال عن وقت قيامها لا يهمّ السّائلين بشيء من أمور دنياهم ولا من أمور أخراهم ، كان السؤال عنه - لاتّخاذ عدم الإجابة عليه ذريعة لجحود يوم الدّين - من الجنوح عمّا ينبغي من العلم ، ومن نقص العقل وفساد التّصوّر ، ولهذا قال اللّه عزّ وجلّ في آخر الآية : . . . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 187 ) : أي : ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون ما ينفعهم وما يضرّهم ، فيجنحون عن سواء السّبيل ، ويشغلون أنفسهم بما لا يفيدهم من العلم ، ويتّخذون عدم إعلامهم بوقت قيام السّاعة ذريعة لجحودها ، مع أنّ العلم بهذا الوقت لا يزيد في إثباتها أيّ ترجيح فكريّ ، إذ دليل اليوم الآخر يعتمد على براهين العدل الرّبّانيّ من جهة العقل ، وقواطع الأخبار الدينيّة من جهة النّقل . ولمّا كان جنوح السّائلين من كفّار قريش مماثلا لجنوح سائر الكافرين المكذّبين بيوم الدّين ، وكان الكافرون هم أكثر الناس ، كان من الحكمة في