عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
70
معارج التفكر ودقائق التدبر
وقد جاءت هذه العبارة بمثابة إنذار للمكذّبين بآيات اللّه ، إذ فيها إلماح إلى أنّهم سيلاقون من اللّه حربا لا يستطيعون دفعها ، ولا الخلاص من سطوتها ، ولا الفرار من عذابها . والكلام على تقدير : وأملي لهم أوّلا ، ثمّ أنزل بهم عقابي وعذابي ، بتدبير محكم ، وبوسائل شديدة قويّة صلبة ، لأنّ كيدي متين . * * * قول اللّه تعالى : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 184 ) : استفهام فيه معنى التّلويم والتوبيخ والتثريب والإنكار ، مع الحثّ على التفكّر في شخصيّة الرّسول محمّد وكمال صفاته البشريّة ، وكمال أخلاقه ، وعظيم ما جاء به عن ربّه . فهذه الآية تتحدّث عن المكذّبين بآيات اللّه ، الّذين كذّبوا رسول اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وسلم ، وكذّبوا بما أنزل اللّه عليه من آيات بيانية ، وبما أيّده ربّه به من آيات إعجازية ، بأسلوب الحديث عن الغائبين ، لا بأسلوب مواجهتهم بالخطاب ، إعراضا عنهم ، وتحريضا على تلويمهم وتثريبهم ، ببيان فساد مذهبهم بشأنه فسادا لا يقبل به أدنى الّذين لديهم تفكير سليم . سبب النزول : ورد في سبب نزول هذا النّصّ ما روي عن الحسن وعن قتادة ، فقال قتادة بن دعامة : « ذكر لنا أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان على الصّفا ، فدعا قريشا ، فجعل يفخّذهم « 1 » ، يا بني فلان ، يا بني فلان ، فحذّرهم بأس اللّه ، ووقائع اللّه .
--> ( 1 ) يفخّذهم : أي : يذكرهم فخذا فخذا .