عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
37
معارج التفكر ودقائق التدبر
خلع الدّرع الّذي كان يقيه من شرّ عدوّه الأكبر ، إبليس وجنوده ودلّت عبارة : فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ على أنّ الشيطان قد عدا إليه بسرعة فائقة ، لمّا رآه قد انسلخ من إيات اللّه ، حتّى لحقه ، وأخذ يوسوس له ويسوّل ويزيّن له الشّرّ ، ويستدرجه ، ويدلّيه بغرور . ودلّت عبارة : فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ على أنّ هذا المنسلخ من آيات اللّه قد استجاب بإرادته الحرّة لوساوس الشيطان وتسويلاته ، حتّى كان من فئة الغاوين ، الضّالين ، الفاسدين الخائبين . ومتى صار المخلوق الممتحن في ظروف الحياة الدنيا من الغاوين بإرادته الحرّة ، ردّه اللّه بسبب غوايته إلى أسفل سافلين ، فاستقرّ في حضيض أهل الكفر والطّغيان ، والظّلم والعدوان . وقد كان هذا بإمكانه وهو حرّ الإرادة أن يرتفع بآيات اللّه ، لو التزم بما لها من وقاية وحماية ، وحافظ على أن تكون بمثابة جلده المحيط بكلّ جسده ، إيمانا وعملا ، وإذا علم اللّه صدقه وابتغاء مرضاة ربّه ، رفعه بها فجعله من الصّالحين ، وأعلى منزلته في جنّات النعيم بمقدار ما يعلم من التزامه بآياته ، وصدقه في ابتغاء مرضاته . ودلّت عبارة : وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها : على أنّ اللّه جلّ جلاله وعظمت حكمته لم يشأ رفعه بآياته ، لأنّه لم يستحقّ هذا الرّفع وهو ممكّن باختياره الحرّ أن يرتفع ، وليس من حكمة اللّه أن يرفع المتسفّلين بإرادتهم الحرّة ، وهم موضوعون في الحياة الدنيا موضوع الابتلاء والامتحان . ولو شاء اللّه رفعه لسلب منه الاختيار ، ولجعله مجبورا غير مختار ، وحينئذ لا يكون من الموضوعين في الحياة الدنيا موضع الابتلاء . إنّ إرادات اللّه لا تتناقض فيما بينها ، فلا يمكن أن يجعل عبده حرّ الإرادة ممتحنا ، في الوقت الذي يجعله مجبورا مسلوب الإرادة الحرّة ، هذا تناقض يستحيل عقلا أن يكون .