عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
87
معارج التفكر ودقائق التدبر
وبهذه الشهادة يعلنون أيضا براءتهم من التهاون أو التقصير ، فيما كلّفهم اللّه إيّاه من تبليغ الرسالة ، وتأدية الأمانة ، والنّصح والهداية والإرشاد ، على الوجه الذي أمرهم اللّه به . وتظهر الحاجة إلى شهادة المبلّغين ، حينما يجحد المحاكمون من أهل الكفر أنّهم تبلّغوا ما أنزل اللّه إليهم ، أمّا المقرّون المعترفون فإنّهم باعترافهم يكونون شاهدين على أنفسهم ، ولا تظهر الحاجة عندئذ إلى إحضار الشهود الذين يشهدون عليهم . فَلَنَسْئَلَنَّ : أي : أقسم لنسألنّ ، فجاء في العبارة التأكيد بالقسم ، فالّام دالّة على القسم المحذوف ، ونون التوكيد لازمة في نحو هذا القسم . واحتاج الإخبار بالسؤال إلى التّأكيد لأنّه من موضوعات الآخرة المعدّة لجزاء العباد ، وهو أمر ينكره الكافرون أو يشكّون فيه . ونظيرها : وَلَنَسْئَلَنَّ ، وظاهر أنّ السؤال هو القضية الأولى من قضايا محكمة العدل الربّانية يوم الدين . * قول اللّه تعالى : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ . ( 7 ) تضمّنت هذه الآية بيان القضيّة الثانية من قضايا محكمة العدل الربّانية يوم الدين ، وهي قضية الإعلام بما اشتملت عليه صحف أعمال العباد في الحياة الدنيا حياة الابتلاء . فبعد سؤال المسؤول في محكمة العدل الرّبّانية يوم الدّين ، يقصّ اللّه عزّ وجلّ عليه قصّة رحلته في الحياة الدّنيا بإعلام شامل ، فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها ، ويظهر أنّه يراها مفصّلة في كتاب أعماله وقد يكون هذا الكتاب سجلا يشمل الصورة والصّوت والخواطر والنيّات ، والأعمال الظاهرة والباطنة ، ومن الباطنة أعمال القلوب والنفوس والأفكار .