عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

79

معارج التفكر ودقائق التدبر

السابقين واللّاحقين ، أن يهلك الأمم إهلاكا جماعيّا ، إذا بلغت من الكفر والفساد والإفساد في الأرض مبلغا تقضي الحكمة الرّبّانيّة معه بإهلاكهم ، لأنّ بقاءهم المجبر للأجيال على الكفر يلغي الغاية من خلق الناس ليبلوهم في ظروف الحياة الدنيا . ولمّا كان إهلاك السّابقين لم يحصل إلّا بعد إنذار من اللّه لهم ، مسبوق بتبليغ رسل اللّه لهم أصول الدّين وشرائع اللّه وأحكامه وأوامره ونواهيه لعباده ، ومسبوق بصبر طويل عليهم ، ومعالجة لهم بمختلف وسائل الإقناع والتربية والترغيب والترهيب والجدال بالّتي هي أحسن وغير ذلك من أمور ، كان من الحكمة الإشارة إليه بحرف عطف هو ( الواو ) في صدر حكاية موجز إهلاك قرى كثيرة سابقة ، العاطف على محذوف « 1 » ، فقال تعالى : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها . . . ولو كان هذا المطويّ في النّصّ المتفرّع عن مضمون قوله تعالى : لِتُنْذِرَ بِهِ مصرّحا به لكان التعبير على نحو قولي : فكم من رسول أرسلنا إلى قرية فبلّغها وأنذرها ، وكم من قرية أرسلنا إليها رسولا برسالاتنا ، فبلّغها ونصحها وهداها إلى صراط ربّها ، وحذّرها وأنذرها ، فلم تستجب لدعوته ، وكفرت وعاندت وأصرّت على فسادها ، وعلى إفسادها في الأرض ، وحين اقتضت الحكمة إهلاكها أهلكناها . بهذا الفهم يتمّ ترابط الكلام ، ولا تكون به واو العطف مجرّد عاطفة جملة على جملة ، أو للاستئناف ، دون ملاحظة ترابط المعاني المرادة . وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ : أي : وكم من أهل قرية ، وإطلاق أسماء الأماكن

--> ( 1 ) صحّ عندي بتتبّع النصوص القرآنية أن العطف على محذوف من اللفظ لا يقتصر على الفاء الفصيحة التي تنبّه إليها المفسّرون وذكرها النحويّون ، بل كلّ حروف العطف قد تكون مفصحة عن محذوف ، ويشهد لهذا كثير من دلالات النصوص القرآنية .