عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
68
معارج التفكر ودقائق التدبر
أي : من أحضر في تصوّره أسماء ربّه الحسنى ، وصفاته العظمى ، دفعه تذكّره لها إلى الخضوع له ، والتماس رحماته ، فصلّى له ، راكعا ، وساجدا ، وداعيا . والمراد بالتذكّر لقضايا المعرفة الدّينيّة المتصلة باللّه عزّ وجلّ ، إحضارها في ساحة التذكّر والتّصوّر الحاضر ، بإخراجها من خزائن المعرفة في النّفس ، وشغل الفكر المتحرّك بها . وأبان اللّه عزّ وجلّ أنّ عوارض نزغ الشيطان في النفس يصرفها تذكّر اللّه والاستعاذة به ، فقال اللّه عزّ وجل في سورة ( الأعراف / 7 مصحف / 39 نزول ) الّتي نتدبّرها : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 200 ) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ( 201 ) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ . ( 202 ) فكشف هذا النّصّ أثر الاستعاذة الحقيقيّة باللّه ، وهي الاستعاذة المصحوبة بتذكّر فكريّ حقيقيّ للّه عزّ وجلّ ، في إحداث الإبصار القلبي الوجدانيّ بعين البصيرة لحقائق الأمور التي يحيط بها نزغ الشيطان ويستغلّها بوساوسه ونزغاته . وهذا الإبصار القلبيّ يطارد نزغ الشيطان ، ويصرف عن النّفس طائفه . بخلاف إخوان الشياطين الّذين لا يستعيذون باللّه من نزغهم ، ولا يذكرون اللّه ذكرا حقيقيّا وأصلا إلى أعماق الفكر والنفس ، فإنّ الشياطين يمدّونهم في الغيّ والضّلال ابتداء ، ثمّ لا يقصرون ولا يكفّون عن متابعة الإغواء دواما . وأبان اللّه عزّ وجلّ أنّ المؤمنين المتّقين الّذين يرتكبون عوارض المعاصي ، فيظلمون بها أنفسهم ، ويعرّضونها لاستحقاق العقوبة من اللّه جلّ