عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
51
معارج التفكر ودقائق التدبر
المص ( 1 ) تتلى على وفق أسماء حروفها : « ألف ، لام ، ميم ، صاد » وقد سبق في أول سورة ( القلم ) بيان كاف حول الحروف المقطعة الموجودة في أوائل بعض السّور . كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ : أي : هذا القرآن كتاب أنزل إليك من ربّك يا محمّد ، وجاء في هذا إطلاق عنوان كلّ الكتاب الرّبّانيّ القرآن ، مع أنّ الّذي أنزل عليه فعلا منه قبل إنزال سورة ( الأعراف ) بعضه لا كلّه ، نظرا إلى أنّ القضاء الرّبّانيّ قد تمّ بإنزاله كلّه منجّما ، فهو بحكم المنزّل كلّه ، فسائره سينزل حتما . وإلى أنّ ما أنزل منه يحدث في صدر الرّسول حرجا إذا لم يبيّن اللّه عزّ وجلّ لرسوله وظيفته تجاهه ، إذ قد يتصوّر أنّه مسؤول عن تبليغه وبيانه ، ومسؤول أيضا عن اتّخاذ الوسائل لتحويل الناس من الكفر إلى الإيمان ، ومن أعمال الشرّ إلى أعمال الخير التي ترضي اللّه عزّ وجل ، تحويلا بالإكراه والجبر ، وهذا التّصوّر يولّد حرجا وضيقا في صدره صلوات اللّه وسلاماته عليه ، فأبان اللّه عزّ وجلّ له في هذه الآية حدود وظيفته تجاه كتاب ربّه . يضاف إلى هذا اعتراضات المشركين على تنزيله منجّما لا جملة واحدة ، الأمر الذي يسبّب له ضيقا في صدره من اعتراضاتهم . فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ : أي : فلا يكن في صدرك يا محمّد ضيق من هذا الكتاب الذي أنزل إليك ، بسبب اعتراضات المشركين على تنزيله منجّما ، وبسبب تصوّرك أنك مسؤول عن تحويل الناس من الكفر إلى الإيمان . والمعنى : فلا يكن في صدرك ضيق من مسؤوليّاتك وما يجب عليك تجاه ما أنزل إليك ، فالأمر ليس كما يتبادر إلى تصوّرك من أنّك مسؤول عن تحويل الناس إلى الإيمان من واقع الكفر الذي هم فيه ، وإكراههم على