عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
102
معارج التفكر ودقائق التدبر
فمعنى وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ : ولقد جعلنا لكم في الأرض تمكينا تقدرون به على التصرّف بالمسخّرات لكم فيها . ومن مظاهر هذا التمكين استقرار النّاس في المدن والقرى والبوادي ، وقدرتهم على إنشاء المساكن والحصون والمصانع والمعامل ، وقدرتهم على التسلّط على حيوانات البرّ والبحر ، وقدرتهم على قطع الصّخور وخرق الجبال وتطويع الحديد وسائر المعادن ، وقدرتهم على حفر الآبار العميقة جدّا ، واستخراج النّفط والمياه من باطن الأرض ، وغيرهما من كنوز الأرض ، وقدرتهم على اكتشاف القوى الّتي أودعها اللّه في الأشياء ، واستخدامها والانتفاع بها في السّلم والحرب ، إلى غير ذلك من كلّ ما نجد النّاس قد قدروا عليه ، وتمكّنوا منه ، ممّا لا نستطيع إحصاءه . وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ : أي : ولقد جعلنا لكم في الأرض الّتي مكّنّاكم فيها ما تعيشون به . معايش : جمع « معيشة » وهي ما يعاش به مباشرة ، أو باتّخاذ الوسائل والأسباب لاستخراجه واستنباطه وتصنيعه . العيش : هو في اللّغة الحياة . يقال : عاش يعيش عيشا ، وعيشة ، ومعيشا ، ومعاشا ، وعيشوشة ، أي : حيي . وهذه المعايش الّتي جعلها اللّه للناس في الأرض تستوجب أن يشكروا نعم اللّه عليهم بها ، فهل هم يشكرون ربّهم عليها ؟ ؟ . والجواب في قول اللّه عزّ وجل يخاطب الناس جميعا : * قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ : أي : أنتم يا أيّها النّاس بالنظر إلى مجموعكم لا إلى جميعكم تشكرون شكرا قليلا جدّا نعم ربّكم عليكم . قَلِيلًا : صفة لمفعول مطلق محذوف مقدّم على فعله .