عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
85
معارج التفكر ودقائق التدبر
وهذا الدرس السادس يثبت أنّ كلّ ما يعمله الإنسان ، وكلّ شيء يحدث في جسده أو نفسه أو فكره ، حتّى ما توسوس به نفسه وسوسة خفيّة لا تصل إلى مستوى الفكرة الجليّة ، مشمول بعلم الرّبّ جلّ جلاله وعظم سلطانه . فهو خالقه العليم بكلّ دقائقه ، المسيّر لكلّ خليّة فيه ، ولكلّ أجزاء كلّ خليّة فيه ، وبأمره أو بإذنه عزّ وجلّ يحدث كلّ صغير وكبير في الإنسان وفي الوجود كلّه ، من أصغر جزء في كلّ ذرّة ، إلى أكبر مخلوق في الوجود كلّه . ولولا شمول علم اللّه كلّ شيء ، وتسييره لكلّ شيء ، وهيمنته على كلّ شيء ، لفسد نظام الكون ، ولتضاربت حركاته ، ولما انطلق كلّ شيء إلى غايته المرسومة له بإحكام وإتقان ، ولدمّر بعضه بعضا . * قول اللّه تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ : في هذه العبارة تنبيه على أنّ اللّه عزّ وجلّ بعظمة ربوبيّته ، الّتي دلّ عليها ضمير المتكلّم العظيم ، لا بدّ أن يكون عليما بكلّ دقائق ما يسيّر أجزاءه ، مهما صغرت ، وعليما بكل متحرّك فيه وساكن ، وعليما بما يصدر عنه من حركات إراديّة ، وسلوك إراديّ ظاهر أو باطن ، وعليما بخواطره ، وعليما بإراداته الّتي يريدها ، وعزماته الّتي يعزمها ، وشهواته الّتي يشتهيها ، ونيّاته التي ينويها ، وعواطف قلبه الّتي يحسّ بها ، حتّى ما توسوس به نفسه من أمور قد لا تصل إلى مستوى التفكير الواضح . وجاء تأكيد هذه القضيّة بعبارة وَلَقَدْ لأنّ الكلام موجّه للمكذّبين بيوم الدين . إن الخالق العظيم الجليل الّذي خلق هذا الإنسان المتقن العجيب ، الّذي فضّله على غيره ممّن خلق ، فجعله في أحسن تقويم ، وجعله من خلايا عجيبة التركيب ، وعجيبة العمل داخل جسمه ، ويسيّر فيه كلّ دقيقة : من دم ، وغذاء ، وطاقة ، وحرارة ، وجرثومة ، وكلّ دقيقة من الفضلات الّتي