عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
62
معارج التفكر ودقائق التدبر
* رِزْقاً لِلْعِبادِ : الرّزق : كلّ ما ينتفع به من مأكول ، ومشروب ، وملبوس ، وغير ذلك ، وقد يطلق على ما هو سبب أو وسيلة لذلك إطلاقا مجازيّا ، وبكثرة الاستعمال قد يصير مثل الحقيقة : كالعطاء ، والرواتب من النقود . والرّزق : بفتح الراء مصدر فعل « رزقه يرزقه رزقا » . العباد : أطلق لفظ العبد والعباد والعبيد في القرآن على الإنس والجنّ والملائكة ، ومنه قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( مريم / 19 مصحف / 44 نزول ) . إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ( 93 ) . إذ هم مخلوقون له فهم مملوكون له ، فكلّ حيّ قابل لاكتساب العلم يطلق عليه لفظ « عبد » بهذا المعنى . رِزْقاً لِلْعِبادِ : أي : أنبتنا في الأرض من كلّ زوج بهيج ، وأنبتنا جنّات وحبّ الحصيد ، وأنبتنا النخل باسقات لها طلع نضيد ، واتّخذنا الأسباب التي جعلناها في التنظيم العامّ أسبابا نجري من خلالها الأشياء التي قدّرناها وقضيناها ، لأجل رزق العباد كلّهم في الأرض ، من كان منهم منيبا أم آبقا ، مؤمنا أم كافرا ، فحياة الامتحان لا بدّ أن يكون الرزق فيها لجميع الممتحنين محسنهم ومسيئهم ، مؤمنهم وكافرهم ، ضمن نظام الحكمة العامّة . رِزْقاً : مفعول لأجله ، فهو منصوب لذلك . وتطبيقا لأسلوب التكامل البيانيّ في القرآن المجيد ، نستطيع أن نقول : إنّ كلّ نصّ قرآنيّ جاء فيه عرض ظاهرة أو أكثر ممّا فيه رزق هيّأه اللّه لعباده في الأرض ، يصلح لأن يقال في آخره : رِزْقاً لِلْعِبادِ كما جاء في هذا النّصّ قياسا مّطردا دون أن نجعله قرآنا يتلى ، لأنّ إيراده في نصّ منها يغني عن إيراده في سائرها .