عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
43
معارج التفكر ودقائق التدبر
نظرات تدبّريّة تحليليّة تفصيلية لفقرات هذا الدّرس الثالث : * قول اللّه عزّ وجلّ : أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ( 6 ) . يبدأ هذا الدّرس باستفهام فيه معنى الاستنكار والتلويم للمكذبين الكافرين بالرسول وبيوم الدّين ، على إعراضهم عن آيات اللّه الكونيّة الدّالّات على قضيّة الإيمان الأولى ، الّتي تنقلهم إلى ما وراءها من لوازم فكريّة ، حتّى توصلهم إلى الإيمان بقانون الجزاء الرّباني ، فالإيمان بيوم الدّين ، والإيمان برسل اللّه المؤيّدين بمعجزات وآيات باهرات من لدنه . أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا ، الهمزة استفهاميّة ، و « الفاء » حرف عطف ، ولكن لا نجد في السّوابق ما هو ملائم للعطف عليه ، والتأمّل المتأنّي في النّصّ يهدي بتوفيق اللّه إلى أنّها تعطف على محذوف ، وإيجادها في الكلام يفصح عنه ، فهي على ما يقول النحاة الفاء الفصيحة . ويمكن استخراج هذا المحذوف بالتأمل أيضا ، والقرائن الفكريّة المحيطة بموضوع النّصّ تدلّ على أن لدى المتحدّث عنهم أدوات النظر التفكّريّ التي وهبها اللّه للناس ، وفضّلهم بها على سائر خلقه تفضيلا عظيما ، وهذه الأدوات كان من الواجب عليهم أن يستعملوها للوصول إلى معرفة خالقهم وممدّهم بفيوض عطاءاته ، وإلى معرفة طائفة من صفاته الجليلة ، وإلى معرفة الغاية من خلقهم ، وما يجب عليهم تجاه بارئهم . وهنا لا بدّ أن يرد السّؤال الأوّل حول عدم انتفاع الكافرين بما وهبهم اللّه عزّ وجلّ من أدوات نظر تفكّريّ وهو : ألم يستعملوا ما لديهم من أدوات نظر تفكّريّ في أعظم القضايا الّتي خلقوا من أجلها ، فلم ينظروا إلى آيات اللّه في كونه ، ومنها ما جاء ذكره في هذا الدّرس . إنّ النظر في آيات اللّه الكونيّة هو الحلقة الأولى في سلسلة التفكير