عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
40
معارج التفكر ودقائق التدبر
الآيات الكونية الثلاث المتعلقة بالأرض : الآية الأولى : مدّ الأرض ، كما يتمدّد السّقاء من الجلد الممتلىء ماء ، وكذلك كان شكل الأرض قبل تثبيتها بالجبال التي ألقيت فيها . وقد يكون المراد بالمدّ الإمداد بالعناصر الصالحة لنفع الناس ، بالأرزاق وغيرها من مطالب الحياة الدنيا ، كالمعادن المختلفة . الآية الثانية : تثبيت الأرض بالرّواسي الّتي ألقاها اللّه عزّ وجلّ بأمره التكوينيّ ، لئلّا تميد بسكّانها ، فتتحرّك أجزاء منها وتضطرب ، كما تميد الفلك بأمواج البحر وتتخبّط . الآية الثالثة : إنبات أنواع النباتات وأصنافها من كلّ زوج ( أي : من كلّ نوع أو صنف ) بهيج ، أي : ذي بهجة . البهجة هي الحسن والنضارة . وحرف مِنْ في عبارة مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ للتبعيض ، لأنّ احتمالات الأنواع والأصناف الممكنة لا تنحصر فيما أنبت اللّه منها ، فما أنبت اللّه هو بعضها المقدّر والمقضيّ . وفي هذه الظواهر الّتي هي من آيات اللّه الكونيّة في السّماء والأرض ، تبصرة ابتداء ، وتذكرة دواما ، لأهل الأفكار المتدبّرة الواعية المنيبين إلى بارئهم ، بما فيها من دلائل تدلّ على صفات الرّبّ الخالق البارىء العليم الحكيم ، الّذي أتقن كلّ شيء صنعا . فجاء في النصّ عقب ذكر الآيات قول اللّه عزّ وجلّ : تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 8 ) . التبصرة في اللّغة : التّعليم والتفهيم ، فمن يدرك دلائل هذه الآيات في السّماء والأرض ، تكون له تبصرة وتعليما ابتداء ، ثم تكون له ذكرى دوما . تقول لغة : بصّره الأمر تبصيرا وتبصرة ، أي : فهّمه إيّاه ، وعرّفه به ، وأوضحه له .