عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

28

معارج التفكر ودقائق التدبر

قَدْ عَلِمْنا ، أي : سبق في علمنا ، بما قدّرنا وقضينا قبل خلق النّاس وإحيائهم ، ثم إماتتهم ما تنقص الأرض من أجسادهم بعد موتهم ، وقد جاء هذا البيان بصيغة الفعل الماضي مع تأكيده بحرف التحقيق قَدْ للدلالة على سبق العلم بخطّة التكوين قبل تنفيذ عمليات الخلق المتتابعة بناء وإفناء . وجاء استعمال ضمير المتكلم العظيم إشعارا بأنّ هذا العلم هو من خصائص ربوبيّة الرّبّ الّذي لا يعزب عن علمه معلوم ما ، مهما كان صغيرا وجزئيا ممّا كان وممّا هو كائن وممّا سيكون ، لأنّه هو سبحانه واضع خطّة التكوين كلّها قبل بدء الخلق ، مع تحديد مراحل تنفيذها بناء وإفناء . وضمير المتكلم العظيم نجده في : [ علمنا - عندنا ] . إنّ أمر الإيجاد ، والإحياء ، والإماتة ، والإفناء ، والإعادة بالبعث ، والإيجاد بعد البعث ، وسائر التصاريف في الكون ، إنّما تتمّ في الكون ، ضمن خطّة القضاء والقدر العامّ ، فما من شيء يحدث في الكون بنفسه ، إنّما يحدث بقضاء وقدر من الخالق الرّبّ جلّ جلاله ، سواء أكان ذلك الشيء كبيرا أم صغيرا . إنّ سبق العلم بما سيحدث ، وربط كلّ ما يحدث بتقدير حكيم ، وإرادة ماضية ، وخلق يتمّ به تنفيذ المراد ، أمور تدفع كلّ التوهّمات المتعلّقة بصفة علم اللّه سبحانه وتعالى عمّا يتوهّم الّذين لا علم لهم باللّه جلّ جلاله ، وعظم سلطانه ، وأحاط علمه بكلّ شيء كان أو هو كائن أو سيكون ضمن خطّة التكوين العامّ . وناقصو المعرفة باللّه وبمجريات أحداث الكون ، يتوهّمون أنّ اللّه سبحانه عمّا يصفون ليس لديه إحصاء كامل لما يتناقض تباعا من أجساد الموتى ، بسبب ما يحدث لها بعد الدّفن في الأرض ، فتتغيّر بذلك صفاتها