عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

22

معارج التفكر ودقائق التدبر

تصوّر عدم الإمكان ، وقد يكون مثل هذا التعجّب مصحوبا بالتّصديق دون طمأنينة ، فإذا حدثت الطمأنينة كان التعجّب مجرّد إعظام وإكبار . تعجّب المشركين الوارد في هذا الدرس : وتعجّب مشركي مكة المكذبين لرسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمكذبين بيوم الدّين تعجّب من قضيّتين : القضيّة الأولى : تعجّبهم من أن يكون الرّسول من عند اللّه بشرا من البشر ، متوهّمين أنّ كون الرّسول بشرا ينافي الحكمة الربّانيّة ، أو متوهّمين أنّ البشر لا يصلحون للاتّصال بعالم الغيب . وكلا التوهّمين باطلان ، ولدى البحث التحليلي لكشف دوافع نفوس المكذبين يظهر أنّها دوافع تنبع من منابع الكبر أو الحسد أو الرّغبة في الفجور . القضيّة الثانية : تعجّبهم من أن يكون في الإمكان الإعادة إلى الحياة بعد الموت والفناء ، متوهّمين أنّ هذا الأمر غير ممكن ، وتعجّب المشركين الكافرين من هاتين القضيّتين تعجّبا يفضي إلى إنكارهما ، تعجّب في غير محلّه مطلقا . * أما كون الرّسول إلى البشر بشرا منهم ، فهو الأمر الحكيم ، فلا داعي إلى التّعجّب منه ، بل التّعجّب منه هو الذي يستدعي العجب . * وأمّا الإعادة إلى الحياة بعد الموت فهي نظير بدء الخلق ، أو هي أهون منه في تجارب النّاس ، فالتعجّب منه يدعو إلى الإعظام والإكبار ، لا إلى النفي والإنكار . إنّ تعلّل مكذّبي الرّسل في تكذيبهم لهم بعلّة بشريّتهم ، ظاهرة تكرّرت في الأمم الأولى ، وتكرّرها يدلّ على تشابه قلوب الكافرين المكذّبين لرسل اللّه ربّ العالمين ، وتشابه نفوسهم وأفكارهم .