عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
19
معارج التفكر ودقائق التدبر
تؤثّر فيهم معجزة القرآن المجيد ، ولم يستفيدوا من دلالتها فيؤمنوا بالرّسول وبما جاء به ، بل أنكروا رسالة الرسول محمّد وأنكروا البعث يوم القيامة ، للحساب ، وفصل القضاء ، وتحقيق الجزاء ، باستعمال أسلوب التعجّب والاستغراب فقط ، دون حجّة أو أيّ دليل يصلح للمناقشة والبحث . بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ يقال لغة : عجب من الشيء يعجب عجبا ، وعجبا ، وعجبا ، وتعجّب منه ، إذا أنكره لقلة اعتياده إيّاه ، وأصل الكلام : وعجبوا من أن جاءهم ، ولكن حذف الجار قبل « أنّ » و « أن » قياس مطرد . وكان مقتضى كون القرآن مجيدا معجزا لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله ، أن يكون برهانا على صدق محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم في بيانه أنّه رسول اللّه ، وعلى صدق نبأ البعث للحساب ، وفصل القضاء ، وتحقيق الجزاء يوم الدّين ، وصدق كلّ ما يبلّغه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن ربّه ، وكان يجب على القوم بعد أن استمعوا إلى القرآن أن يأخذوا بهذه الدّلالة فيؤمنوا ويسلموا للّه ورسوله . وعلى افتراض أنّ إعجاز القرآن لم يتّضح لهم تماما ، وأنّ آيات صدق الرّسول الأخرى لم توصلهم إلى القناعة الكافية للإيمان به ، فالواجب العقلي المنطقي يقتضي منهم أن يتريّثوا ويتوقّفوا ، ليتابعوا تأمّلهم وبحثهم حتّى يتمّ لديهم الاقتناع بصدق نبوة محمّد وصدق رسالته ، وصدق ما يبلّغه عن ربّه . لكنّ هؤلاء المكذّبين الكافرين ، قد ستروا ما عرفوه من دلائل الحقّ بالكفر ، فلم يؤمنوا ، ولم يتريّثوا باحثين ، بل أنكروا رسالة الرّسول محمّد ، وأنكروا يوم الدّين الذي يتمّ فيه تحقيق قانون الجزاء الرّباني ، مستندين إلى مجرّد التعجّب من أن يأتيهم رسول بشر منهم ، والتعجّب من إحياء اللّه
--> - عطف من النّحويين ، لا حرف ابتداء على ما هو المقرر عند جمهورهم والذي وصفه ابن هشام بأنه الصحيح ، في « مغني اللبيب » .