سليمان بن موسى الكلاعي
35
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
بدأ الله خلق الأشياء ، خلق التربة قبل السماء ، فلما خلق السماء وقضاهن سبع سماوات ، دحا الأرض ، أي بسطها ، وإنما دحاها من تحت الكعبة ، فلذلك سميت مكة أم القرى . وذكر ابن هشام أن الماء لم يصل الكعبة حين الطوفان ، ولكنه قام حولها ، وبقيت هي في هواء إلى السماء ، وأن نوحا قال لأهل السفينة ، وهى تطوف بالبيت : إنكم في حرم الله عز وجل وحول بيته ، فأحرموا لله ولا يمس أحد امرأة . وجعل بينهم وبين النساء حاجزا ، فتعدى حام ، فدعا عليه نوح بأن يسود الله لون بنيه ، فأجابه الله على وفق ما دعاه ، واسود كوش بن حام وولده إلى يوم القيامة . وقد قيل في سبب دعوته غير هذا ، فالله أعلم . ويروى أنه لما نضب ماء الطوفان ، بقي مكان البيت ربوة من مدرة ، فحج إليه بعد ذلك هود وصالح ومن آمن معهما ، وأن يعرب قال لهود عليه السلام : ألا تبنيه ؟ قال : إنما يبنيه نبي كريم يأتي من بعدى ، يتخذه الرحمن خليلا . قال أبو الجهم ، من حديث الواقدي « 1 » : حتى أراد الله بإبراهيم ما أراد ، فولد له إسماعيل وهو ابن تسعين سنة ، فكان بكر أبيه ، فلما أراد الله عز وجل ، أن يبوئ لإبراهيم مكان البيت وأعلامه ، أوحى الله إليه يأمره بالمسير إلى بلده الحرام ، فركب إبراهيم البراق ، وحمل إسماعيل أمامه وهو ابن سنتين ، وهاجر خلفه ، ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم ، فكان لا يمر بقرية إلا قال له إبراهيم : بهذه أمرت يا جبريل ؟ فيقول جبريل : لا . حتى قدم به مكة ، وهى إذ ذاك عضاة وسلم وسمر ، والعماليق يومئذ حول الحرم ، وهم أول من نزل مكة ويكونون بعرفة ، وكانت المياه يومئذ قليلة ، وكان موضع البيت قد دثر وهو ربوة حمراء مدرة ، وهو يشرف على ما حوله ، فقال جبريل حين دخل من كداء « 2 » ، وهو الجبل الذي يطلعك على الحجون « 3 » والمقبرة : بهذا أمرت . قال إبراهيم : بهذا أمرت ؟ قال : نعم .
--> ( 1 ) انظر ما ذكره ابن كثير في البداية ( 1 / 159 ) . ( 2 ) كداء : بفتح أوله ممدود لا يصرف لأنه مؤنث ، جبل بمكة ، وهو عرفة وهى كلها موقف إلا عرنة فليست في الحرم بينها وبين الحرم رمية حجر . انظر : الروض المعطار ( 490 ) ، معجم ما استعجم ( 4 / 1117 ، 1118 ) . ( 3 ) الحجون : بفتح الحاء ، موضع بمكة عند المحصب ، وهو الجبل المشرف بحذاء المسجد الذي يلي شعب الجزارين إلى ما بين الحوضين اللذين في حائط عوف ، وقيل : الحجون مقبرة أهل مكة تجاه دار أبى موسى الأشعري رضي الله عنه . انظر : الروض المعطار ( 188 ) .