سليمان بن موسى الكلاعي
326
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
أمر أحب أن أدركه منه ، فدخلت المسجد فرأيته ، وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر ، فوالله ، إني لأمشى نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال ، فأقع به ، إذ خرج نحو باب المسجد يشتد ، فقلت في نفسي : ماله ، لعنة الله ؟ ! أكل هذا فرقا منى أن أشاتمه ! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع ، صوت ضمضم بن عمرو [ الغفاري ] وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدعه وحول رحله وشق قميصه وهو يقول : يا معشر قريش ، اللطيمة اللطيمة ، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه ، لا أرى أن تدركوها ، الغوث الغوث . قال : فشغلنى عنه ، وشغله عنى ما جاء من الأمر . فتجهز الناس سراعا وقالوا : أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي ؟ كلا والله ليعلمن غير ذلك . فكانوا بين رجلين ، إما خارج وإما باعث مكانه رجلا . وأو عبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد ، إلا أن أبا لهب تخلف وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة . وكانت عليه لأبى لهب أربعة آلاف درهم ، فاستأجره بها على أن يجزئ عنه بعثة . وأجمع أمية بن خلف القعود - وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا - فأتاه عقبة بن أبي معيط وهو جالس في المسجد بين ظهري قومه بمجمرة فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه ، ثم قال : يا أبا على ، استجمر فإنما أنت من النساء ! فقال : قبحك الله وقبح ما جئت به . ثم تجهز وخرج مع الناس . ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا السير ذكروا حربا كانت بينهم وبين بنى بكر ابن عبد مناة بن كنانة ، وقالوا : إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا ، فكاد ذلك يثبتهم ، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجي ، وكان من أشراف بنى كنانة ، فقال : أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشئ تكرهونه . فخرجوا سراعا . وخرج رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه ، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار « 1 » ، وكان أبيض ، وكان أمام
--> ( 1 ) انظر ترجمته في : الإصابة ترجمة رقم ( 8020 ) ، أسد الغابة ترجمة رقم ( 4936 ) .