سليمان بن موسى الكلاعي
254
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
وطلب المنعة حتى يبلغ رسالات ربه ، فرد على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أقبح الرد وقال له : عجبا لك ! يأبى قومك أن يتبعوك ، وتأتى إلى محارب تدعوهم إلى ترك ما كان عليه آباؤهم ! اذهب فإنه غير متبعك رجل من محارب آخر الدهر . ويقبل إليه سفيه منهم فقال : يا محمد ، ما في بطن ناقتي هذه إن كنت صادقا ؟ فلعمري إنك لتدعى من العلم أعظم مما سألتك عنه ، تزعم أن الله يوحى إليك ويكلمك . فأسكت عنه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وأقبل إليه رجل منهم يقال له : سلمة بن قيس ، وكان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم جالسا قريبا من منزلهم ، فأراد أن يطرحه في البئر ، فقام رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فتنحى عن البئر ، فجعل سلمة يقول : لو وقعت في البئر استراح منك أهل الموسم . وأخذ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بزمام راحلته يقودها وهم يرمونها بالحجارة حتى توارى عنهم وهو يقول : « اللهم إنك لو شئت لم يكونوا هكذا ، وإن قلوبهم بيدك وأنت أعلم بهم ، فإن كان هذا عن سخط بك على فلك العتبى ، ولا حول ولا قوة إلا بك » . وذكر قاسم بن ثابت بن حزم العوفي من حديث عبد الله بن عباس ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أنه قال : لما أمر الله رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر الصديق ؛ حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب فتقدم أبو بكر فسلم وكان رجلا نسابة ومقدما في كل خير ، فقال : ممن القوم ؟ قالوا : من ربيعة . قال : ومن رأى ربيعة ؟ أمن هامتها أم من لهازمها : قالوا : بل من هامتها العظمى ، قال : وأي هامتها العظمى أنتم ؟ قالوا : ذهل الأكبر « 1 » . فذكر الحديث في مناسبة أبى بكر إياهم ومقاولته لهم ، وانبراء دغفل بن حنظلة النسابة إليهم من بينهم وهو يومئذ غلام حين بقل وجهه ، وموافقته لأبى بكر ، حتى اجتذب أبو بكر زمام الناقة ورجع إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وهو حديث مشهور تركته لشهرته ، مع أن المقصود فيما بعده . قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار ، فتقدم أبو بكر فسلم وكان مقدما في كل خير ، فقال : ممن القوم ؟ قالوا : من شيبان بن ثعلبة ، فالتفت أبو بكر إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : بأبى أنت وأمي هؤلاء غرر في قومهم . وفيهم مفروق بن عمرو وهانىء بن قبيصة والمثنى بن حارثة والنعمان بن شريك ، وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم جمالا ولسانا ، وكانت له غديرتان تسقطان على تربيتيه وكان أدنى القوم مجلسا من أبى بكر .
--> ( 1 ) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ( 3 / 184 - 185 ) .