سليمان بن موسى الكلاعي
190
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
فلما قال لهم ذلك أبو جهل قام النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف ابن عبد الدار بن قصي ، فقال لهم : يا معشر قريش ، إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد ، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم : ساحر . لا والله ما هو بساحر ، قد رأينا السحرة نفثهم وعقدهم . وقلتم : كاهن . لا والله ما هو بكاهن ، قد رأينا الكهنة تخالجهم وسمعنا سجعهم . وقلتم : شاعر ، لا والله ما هو بشاعر ، لقد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه . وقلتم : مجنون . لا والله ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه ، يا معشر قريش ، انظروا في شأنكم فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم . فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة ، وقالوا لهما : سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء . فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ووصفا لهم أمره وأخبراهم ببعض قوله ، وقالا لهم : إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا ! . فقالت لهما أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم ، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم ؟ فإنه كان لهم حديث عجيب ، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبأه ؟ وسلوه عن الروح ما هو ؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي ، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم . فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة ، فقالا : يا معشر قريش ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد . أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء ، فإن أخبركم عنها فهو نبي ، وإن لم يفعل فالرجل متقول ، فروا فيه رأيكم . فجاؤوا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فسألوه عن تلك الأشياء ، فقال لهم : « أخبركم بما سألتم عنه غدا » ، ولم يستثن ، فانصرفوا عنه ، ومكث رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فيما يذكرون خمس عشرة ليلة لا يحدث الله عز وجل ، إليه في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل ، حتى أرجف آل مكة ، وقالوا : وعدنا محمد غدا ، واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشئ مما