عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

50

معارج التفكر ودقائق التدبر

أمّا موقف العبد المؤمن تجاه ما لا يملك حماية نفسه ووقايتها ، مما قد يتّجه نحوه بشرّ أو ضرّ أو أذى ، من المخلوقات غير ذات المسؤوليّة عمّا يحدث بها من أحداث ، وكذلك من المخلوقات ذوات المسؤوليّة عمّا تحدث بإراداتها من أحداث . فهو الاستعاذة باللّه من شرّ كلّ ذي شرّ ، ومن ضرّ كلّ ذي ضرّ ، ومن أذى كلّ ذي أذى . والاستعاذة باللّه عزّ وجلّ ، هي في الحقيقة توكّل على اللّه ودعاء له في آن واحد . وهاتان عبادتان في حركات القلب وذكر اللّسان . وفي الربع الأوّل من التّنزيل المكيّ أنزل اللّه وجلّ سورتي المعوّذتين ، يعلّمنا فيهما كيف نستعيذ به من شرّ كلّ ذي شرّ ، نظرا إلى أنّ الاستعاذة به من أوائل مظاهر السلوك الإيماني ، بعد إعلان التوحيد ، وبعد الاستعانة باللّه في كلّ الأعمال ، وبعد الصّلاة له وبعض ألوان العبادات القوليّة والعمليّة . وقد اشتملت سورة ( الفلق ) على الاستعاذة بالرّبّ الخالق عزّ وجلّ من شرّ كلّ ذي شرّ يأتي بأضرار وشرور دنيويّة ، ككلّ حامل للشرّ والضّرّ والأذى يسري في الظلمات . وهو يستتر ويتخفّى بوسائله وتحرّكاته ، وككلّ متّخذ وسائل خفيّة غيبيّة ، لا يعرفها إلّا ذوو اختصاص وممارسات خاصّة ، كالسّحرة ، وكلّ مستخدم طاقات خفية في ذاته ، وهي ذوات تأثيرات في الأجساد أو في الأنفس ، كالطاقات الّتي تطلقها نفوس الحاسدين ، فيكون لها تأثيرات بشرّ أو بضرّ أو أذى . واشتملت سورة ( الناس ) على الاستعاذة بِرَبِّ النَّاسِ ( 1 ) مَلِكِ النَّاسِ ( 2 ) إِلهِ النَّاسِ ( 3 ) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ ( 4 ) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ( 5 ) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ( 6 ) . * * *