عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

12

معارج التفكر ودقائق التدبر

فقال له « ذو نفر » : وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوّا أو عشيّا ، ما عندنا من غناء في شيء ممّا نزل بك ، إلّا أنّ « أنيسا » سائس الفيل صديق لي ، وسأرسل إليه فأوصيه بك ، وأعظّم عليه حقّك ، وأسأله أن يستأذن لك على الملك ، فتكلّمه بما بدا لك ، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك . فقال « عبد المطّلب » : حسبي . فبعث « ذو نفر » إلى « أنيس » فقال له : إنّ عبد المطّلب سيّد قريش ، وصاحب غير مكّة ، يطعم النّاس بالسّهل ، والوحوش في رؤوس الجبال ، وقد أصاب له الملك مئتي بعير ، فاستأذن له عليه ، وانفعه عنده بما استطعت . فقال « أنيس » : أفعل . فكلّم أنيس « أبرهة » كما أوصاه « ذو نفر » فأذن أبرهة لعبد المطّلب . وكان « عبد المطلب » أوسم النّاس ، وأجملهم ، وأعظمهم ، فلمّا رآه « أبرهة » أجلة وأعظمه وأكرمه عن أن يجلسه تحته ، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملّكه ، فنزل عن سريره ، فجلس على بساطه ، وأجلسه معه عليه إلى جنبه ، ثمّ قال لترجمانه : قل له ما حاجتك ؟ فقال « عبد المطّلب » : حاجتي أن يردّ عليّ الملك مئتي بعير أصابها لي . فلمّا قال له ذلك قال « أبرهة » لترجمانه : قل له : قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثمّ قد زهدت فيك حين كلّمتني ، أتكلّمني في مئتي بعير أصبتها لك ، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك ، قد جئت لهدمه لا تكلّمني فيه ؟ ! قال له « عبد المطّلب » : إنّي أنا ربّ الإبل ، وإنّ للبيت ربّا سيمنعه .