عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
89
معارج التفكر ودقائق التدبر
وجاء في تفسير « الرّجز » بضمّ الرّاء أنّه عبادة الأوثان ، أمّا « الرّجز » بكسر الراء ، فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس قال : « كلّ شيء في كتاب اللّه من الرّجز يعني به العذاب » . وأخرج مسلم وغيره من حديث أسامة بن زيد ، وسعد بن مالك ، وخزيمة بن ثابت ، قالوا : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ هذا الطّاعون رجز ، وبقيّة عذاب عذّب به أناس من قبلكم » . والهجر أبلغ من التّرك ، إذ فيه معنى الابتعاد عن مواطن المهجور . أمّا هجر « الرّجز » بمعنى عبادة الأوثان فهو ظاهر ، وخطاب الرّسول بهذا هو في الحقيقة خطاب لكلّ فرد من أفراد الأمّة الّتي يوجّه لها دعوته ، لأنّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان هاجرا لها ، فلم يسبق له أن عبدها أو عبد شيئا منها على طريقة مشركي قومه ، ولا يعقل أن تحدّثه نفسه بعبادتها بعد اصطفائه بالنبوة والرسالة . وأمّا هجر « الرّجز » بكسر الرّاء الذي هو بمعنى العذاب ، فالمراد من هجره هجر كلّ اعتقاد أو قول أو عمل من شأنه أن يفضي إلى سخط اللّه وعذابه ، فمعنى هجر العذاب هجر أسبابه . فالأمر بهجر الرّجز « بكسر الراء » معناه الأمر بهجر المعاصي والمخالفات المسبّبة لعذاب اللّه . وهذا الخطاب موجّه في الحقيقة لكلّ فرد من أفراد الأمّة التي يوجّه لها دعوته ، إذ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم معصوم عن المعاصي ، إلّا أنّ له نصيبا من هذا التكليف في حدود مرتبتي البرّ والإحسان وكلّ ما لا يتعارض مع العصمة . * قول اللّه عزّ وجل : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ( 6 ) . المنّ : الإنعام والإحسان ، يقال لغة : منّ فلان على فلان إذا أنعم عليه نعمة طيّبة .