عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
60
معارج التفكر ودقائق التدبر
ليبلوك ، وتنسى أنّه متى سلبها بأسباب خفيّة أو ظاهرة لا تملك دفعها ولا رفعها ، فإنّك لا تستطيع استعادتها . ومع نزعة استكبار فيك جعلك تشعر بالاستغناء ، وهذا الاستغناء نفخ فيك الكبر ، فغشّى على بصيرتك ، فنسيت نشأتك ، ونسيت ربّك ، ووجدت القوى بين يديك فطغيت ، في فكرك ونفسك وعملك . ومن طغيانك في فكرك رفضك دعوة ربّك لك ، لتدبّر ما نزل به الوحي لهدايتك ، والاستجابة لمضمونها ، والعمل بما فيها من أوامر ونواهي ووصايا ونصائح . ومن طغيانك في فكرك استكبارك بما لديك من أفكار ومفهومات ورثتها ممّن سلف ، أو أوصلتك إليها تجاربك ، أو انتهى إليها ذكاؤك . ولو أزحت الغشاوة عن نفسك ، وتبصّرت بأصل نشأتك ، ونفّست ما في نفسك من كبر نفخته فيها الأوهام ، لخشعت لربّك ، وعدت إلى رشدك ، ودخلت ضمن تلاميذ مدرسة الرّبّ جلّ جلاله ، تتدبّر ما ينزل به الوحي ، فتقرأ كلام اللّه ، وتتدبّر آياته ، وتتعلّم الكتابة ، وتقيّد بالقلم ما يهديك إليه تدبّرك الواعي ، ثمّ تعمل بوصايا ربّك ، وتطيع أوامره ونواهيه ، لأنّك تدرك حينئذ أنّ كلّ ما بين يديك من أسباب هي من عطائه ، وضعها بين يديك ليبلوك بها ، وتدرك أنّه متى شاء سلبها ، وتدرك أنّ مسؤوليّتك في هذه الحياة إيمان به ، وإسلام له ، وسمع وطاعة ، فهو ربّ كلّ شيء ، والمهيمن على كلّ شيء . إنّك إذا عرفت أنّك مخلوق لخالق عظيم ، وأنّ هذا الخالق هو ربّك دواما ، الّذي يمنحك كلّ أسباب نمائك وبقائك ، ويشملك بعطاءات ربوبيّته ، فلا بدّ أن يخطر في بالك سؤال ملحّ في نفسك تبحث له عن جواب . هذا السؤال هو : لماذا خلقني ربّي مزوّدا بصفاتي التي فيها جهاز