عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
58
معارج التفكر ودقائق التدبر
إنّ شعور الإنسان بالاستغناء وهو غارق في الفقر إلى اللّه عزّ وجلّ شعور فاسد ، مستند إلى وهم كاذب ، وهذا الشّعور لا يكون لدى المؤمنين الصّادقين ، المراقبين لربّهم . إنّ هذه الصّفة في الإنسان صفة شرطيّة ، إذ ليس كلّ إنسان طاغيا بالفعل ، ولكن من رأى أنّه استغنى طغى ، ولزوم الطغيان للشّعور بالاستغناء في مركّب هذا الإنسان يكاد يكون قاعدة مطّردة . هذا الواقع الإنسانيّ يكشف أنّ النّاس بحاجة إلى رسالة ربّانيّة ينزّلها اللّه لعباده . يضاف إلى هذا أنّ خلق الإنسان للابتلاء في ظروف الحياة الدّنيا يستدعي باللّزوم العقليّ المحاسبة وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء . وبما أنّ الصّورة المثلى لهذه الأمور لا تتحقّق في ظروف هذه الحياة الدّنيا ، فلا بدّ من ظروف حياة أخرى تتحقّق فيها ، إلّا أنّ العقول البشريّة عاجزة عن تصوّر هذه الحياة الأخرى ، فلا بدّ لها من رسالة ربّانيّة تبيّن لها المعالم الكبرى لهذه الحياة الأخرى ، وقد أشار إلى هذه الحكمة قول اللّه عزّ وجلّ : إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى ( 8 ) . الرّجعى : مصدر كالرّجوع . فتبيّن من هذا الرّدّ المشتمل على عنصرين : 1 - كون الإنسان يطغى إذا رأى نفسه استغنى . 2 - وكون الناس سيبعثون بعد الموت ، ويرجعون إلى ربهم ، ليحاسبهم ، ويقضي بينهم ، ويجازيهم على أعمالهم . أنّ الاعتراض الذي زجر اللّه المعترضين من أجله ، هو تصوّرهم أنّ النّاس يستطيعون بعقولهم وتجرباتهم ، التّوصّل إلى ما يعرّفهم بالحقّ