عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
56
معارج التفكر ودقائق التدبر
( كلا : ) أداة ردع وزجر ، هذا هو الأصل فيها . أقول : والزّجر الموجّه من اللّه عزّ وجلّ هنا يقتضي مزجورا ومزجورا عنه ، ولا يعقل أن يكون الزّجر موجّها للرّسول ولا للذين يؤمنون به ويتّبعونه ، فلا بدّ أن يكون الزّجر للذين يرفضون الاستجابة لهذه الرسالة ويعترضون عليها ، فإيراد أداة الزّجر يتضمّن الإشارة إليهم . ومن تدبّر ما جاء بعد عبارة الزّجر من بيان ندرك أنّه قد جاء ردّا على الاعتراض الذي يوجّهه الرّافضون ، ومن مضمون الرّدّ ندرك مضمون الاعتراض المطويّ الذي لم يفصح عنه النّصّ . إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ( 7 ) . هذا النصّ قد جاء بمثابة التعليل للحكمة من إنزال رسالة ربّانيّة ، على رسول من البشر ، ودعوة النّاس لاتّباعها ، بقيادة الرّسول ، أي : فلو لا إنزال الرّسالة الّتي تتضمّن تعريف الناس بالحقّ والباطل ، والخير والشّر ، وتعريفهم بالصّراط المستقيم ، لطغى من يشعر بالاستغناء منهم ، ولم يجد رادعا يردعه عن طغيانه ، وبالطّغيان الّذي تتعدّد جهاته في النّاس يحدث التّقاتل وسفك الدّماء ، وفساد في الأرض عريض ، وظلم وبغي وعدوان ، وهذا يحتاج إلى جيش من المؤمنين برسالة اللّه لعباده ، يوقفون شرور الطغيان ، ويحدّون من تفاقم العدوان ، ويحتاج إلى بيانات تحذّر من عقاب اللّه في الدنيا والآخرة ، وتبيّن للناس أنّهم ممتحنون في الحياة الدنيا ، وأنّهم لا بدّ أن يرجعوا يوم الدين إلى بارئهم ، ليحاسبهم ، ويفصل القضاء فيهم ، ويجازيهم على أعمالهم ، إن خيرا فخير ، وإن شرّا فشرّ . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ( 7 ) : الفاعل والمفعول به في عبارة « رآه » واحد ، أي : رأى من ذاته أنّه استغنى ، وهذا من أفعال القلوب الّتي يصحّ فيها أن يكون ضميرا الفاعل والمفعول به واحدا ، ومنها : « حسبتني - وظننتني - » .